في الحروب الكبرى لا تكون الجغرافيا مجرد مساحة على الخريطة، بل تتحول أحياناً إلى سلاح استراتيجي قد يفوق في تأثيره الصواريخ والطائرات. وفي قلب الخليج العربي يقف مضيق هرمز مثالاً واضحاً على هذه الحقيقة، فهو ليس مجرد ممر مائي ضيق يفصل بين سواحل إيران من جهة وسلطنة عُمان والإمارات من جهة أخرى، بل شريان طاقة عالمي يمر عبره يومياً ما يقارب 20 إلى 21 مليون برميل من النفط، أي ما يقارب 20% من تجارة النفط العالمية، إضافة إلى نحو ثلث تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم. ولهذا فإن أي توتر في هذا الممر البحري لا يُعد شأناً إقليمياً فحسب، بل قضية تؤثر مباشرة في الاقتصاد العالمي واستقرار أسواق الطاقة.
مع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، عاد اسم مضيق هرمز ليحتل صدارة النقاش الاستراتيجي. فإيران تدرك منذ عقود أن قدرتها العسكرية التقليدية لا تضاهي القوة الأميركية، ولذلك طورت عقيدة عسكرية تقوم على الحرب غير المتكافئة. وتعتمد هذه العقيدة على منظومات صاروخية ساحلية، وزوارق سريعة هجومية، وطائرات مسيَّرة، وألغام بحرية يمكن نشرها بسرعة في المياه الضيقة. وتمتلك بحرية الحرس الثوري الإيراني مئات الزوارق السريعة الصغيرة المصممة لشن هجمات جماعية أو ما يُعرف في العقيدة العسكرية باسم «هجمات الأسراب»، حيث يتم إرباك السفن الحربية الكبيرة عبر عدد كبير من الأهداف الصغيرة والسريعة.
لكن الواقع العسكري في الخليج أكثر تعقيداً من مجرد إعلان إغلاق المضيق. فمضيق هرمز، الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه نحو 34 كيلومتراً، يخضع لمراقبة بحرية وجوية كثيفة تُعد من الأعلى في العالم. وتعمل في المنطقة أساطيل دولية متعددة، أبرزها الأسطول الخامس الأميركي المتمركز في البحرين، إضافة إلى قدرات استطلاع متقدمة تشمل الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة والرادارات البحرية. لذلك فإن أي محاولة لإغلاق المضيق بشكل كامل ستتحول سريعاً إلى مواجهة عسكرية واسعة النطاق، لأن تعطيل هذا الشريان البحري سيؤثر مباشرة في اقتصادات كبرى مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، وهي دول تعتمد بدرجات متفاوتة على نفط الخليج.
ورغم ذلك، فإن التهديد الحقيقي لا يكمن في الإغلاق الكامل للمضيق بقدر ما يكمن في القدرة على تعطيل الملاحة بشكل جزئي ومتقطع. فالهجمات المحدودة على السفن التجارية أو ناقلات النفط، حتى لو كانت محدودة العدد، قد ترفع تكاليف التأمين والشحن البحري بشكل كبير، وتؤدي إلى اضطراب في الأسواق العالمية. وقد شهد العالم في أزمات سابقة كيف يمكن لهجمات محدودة أو حتى تهديدات أمنية أن تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط بسرعة في الأسواق الدولية.
في المقابل، تدرك الولايات المتحدة أن حماية المضيق لا تتطلب بالضرورة عملية برية واسعة داخل الأراضي الإيرانية. فالتفوق البحري والجوي الأميركي يمنح واشنطن قدرة كبيرة على حماية خطوط الملاحة واستهداف مصادر التهديد، سواء في البحر أو على السواحل القريبة. وتنتشر في المنطقة حاملات طائرات ومدمرات وغواصات متقدمة قادرة على تنفيذ عمليات بحرية وجوية معقدة، إضافة إلى شبكة استخباراتية متطورة تتيح مراقبة التحركات العسكرية في المنطقة بشكل شبه مستمر.
أما دول الخليج، فهي تدرك أكثر من غيرها حساسية هذه المعادلة. فاقتصادات المنطقة تعتمد بدرجة كبيرة على استقرار الملاحة البحرية، كما أن جزءاً كبيراً من صادرات النفط والغاز يمر عبر هذا الممر الحيوي. لذلك عملت دول الخليج خلال السنوات الماضية على تطوير قدراتها الدفاعية والبحرية، وتعزيز التعاون الأمني مع الشركاء الدوليين لضمان أمن الممرات البحرية واستقرار المنطقة.
كما أن أي اضطراب طويل في الملاحة عبر مضيق هرمز لن يؤثر في المنطقة فقط، بل سيمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي بأكمله. فالدول الآسيوية الكبرى، وعلى رأسها الصين والهند، تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج لتغذية اقتصاداتها الصناعية الضخمة. ولذلك، فإن استقرار هذا الممر البحري يمثل مصلحة دولية مشتركة، وليس مجرد قضية إقليمية.
ومع كل ما يقال عن احتمالات التصعيد، يبقى الواقع أن مضيق هرمز كان دائماً مسرحاً للتوترات، لكنه لم يُغلق فعلياً في التاريخ الحديث، لأن كلفة ذلك ستكون باهظة على الجميع، بما في ذلك إيران نفسها التي يعتمد اقتصادها أيضاً على صادرات النفط عبر البحر. ولهذا السبب غالباً ما يبقى المضيق ورقة تهديد استراتيجية أكثر منه سلاحاً يُستخدم بشكل كامل.
إن الجغرافيا في الخليج العربي لم تكن يوماً مجرد خطوط على الخريطة، بل كانت دائماً جزءاً من معادلة القوة. ومضيق هرمز يظل مثالاً واضحاً على كيف يمكن لممر مائي لا يتجاوز عرضه عشرات الكيلومترات أن يتحول إلى نقطة ارتكاز في توازنات الأمن العالمي، حيث تتقاطع فيه مصالح الطاقة والتجارة والسياسة الدولية في لحظة واحدة.
*لواء ركن طيار متقاعد