تساءلنا سابقاً حول ما الذي تعنيه الهجمات المكثّفة والاعتداءات الإيرانية بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وأدوات الفتك والدمار على دولة الإمارات العربية المتحدة؟ وإجابتنا المباشرة والمختصرة عن هذا التساؤل، هي أن هذا النظام التائه المتغطرس الذي يسير على طريق الضلالة بغير هدى في مسالك وعرة وأنفاق مظلمة، قد فقد ثقة جار وصديق - وربما إلى الأبد.
هذا الجار ليس بالدولة التي تعيش على هامش ما يدور من أحداث في عالم اليوم، بل هي عضو فاعل ذو سمعة ممتازة في المجتمع الدولي، وهذا الجار المسالم الذي فقد ثقته بالنظام الإيراني وفي مصداقيته، قدّم الكثير من الحسنات لإيران منذ اندلاع الثورة فيها في عام 1979، وسهّل لها العديد من الأمور التي لولا مساعي دولة الإمارات الحميدة لما استطاعت إيران أن تقدم أي نمط من الخدمات للإيرانيين على صُعد اقتصادية ومعيشية ومالية، يفتقدها شعب مغلوب على أمره نتيجة للعقوبات المفروضة على بلاده.
لقد كانت دولة الإمارات سنداً لشعب إيران في مواقف إنسانية نابعة من ضمائر وطن وقيادة وشعب جُبلوا على المواقف النبيلة النابعة من وجدان حي، رغم ما كان لذلك من تداعيات عليهم في مواجهة المجتمع الدولي.
لكن جميع ذلك لم يولّد أيّ إحساسٍ بالمسؤولية والتقدير من قبل فئة لا توجد في ضمائرها سعة لرد الجمائل أو تقدير لمواقف الإحسان.
ولندع الجمائل الاقتصادية والتجارية والمعيشية والتسهيلات الأخرى، التي قدمت لإيران جانباً ولنتحدث عن الجوانب السياسية، التي سعت فيها دولة الإمارات لصالح إيران لكي تصد عنها الأذى.
لقد تأكّد دائماً بأن الولايات المتحدة عازمة على التحرك بشتى الوسائل الممكنة الدبلوماسية والعسكرية لمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية، ومنعها من استخدام صواريخها الباليستية ضد حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.
إن مضامين تلك المواقف تجاه إيران كانت تعني الكثير من حيث الرغبة في استخدام القوة العسكرية ضدها.
لكن دولة الإمارات، كانت تسعى بصمت -سواءً كان ذلك بعلم من إيران أو من دون علمها- إلى صرف أنظار الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة عن استخدام الوسائل العسكرية لإنهاء البرنامج النووي الإيراني والتخلص من صواريخها الباليستية أو محاولة إسقاط النظام الحاكم بالقوة العسكرية القادمة من خارج الحدود، والاكتفاء بالتفاوض والوسائل الدبلوماسية.
لكن تلك المساعي الحميدة والجهود الخيرة التي بذلتها دولة الإمارات ذهبت سُدى أيضاً، ولم يكن لها أي تقدير أو صدى في أعين أو ضمائر من قاموا بالأفعال الشنيعة ضد دولة مسالمة جارة لهم لم تحمل لهم يوماً أية عداوة أو ضغينة.
وعليه، فإن علاقات الصداقة وحسن الجوار وتبادل المصالح المشتركة بين الدولتين ذهبت أدراج الرياح وأصبح أمر عودتها إلى طبيعتها الأولى يوماً في مهب الريح.
لقد قامت دولة الإمارات بسحب بعثتها الدبلوماسية من إيران، وباستدعاء السفير الإيراني لديها وسلمته خطاباً شديد اللهجة، مُعربة فيه عن شديد غضبها واستهجانها مما قامت به بلاده من اعتداءات سافرة غير مبررة على الدولة بما يمس سيادتها الوطنية وسلامة أراضيها، ويعرض أمنها الوطني وسلامة شعبها والمقيمين على أرضها من رعايا الدول الأخرى لمخاطر شديدة.
وحقيقة أن ما قامت به إيران من اعتداءات غاشمة على دولة الإمارات أدّت إلى حرق جميع ما كان بين الدولتين من علاقات طبيعية، كانت دولة الإمارات حريصة دائماً على عدم المساس بها، بل بالعمل الدؤوب على تطويرها وجعلها تسير بأفضل صور ممكنة.
لكن الاعتداءات الآثمة، أضرت بذلك كثيراً، وجعلت من أمر عودتها إلى طبيعتها صعب جداً، وإن عادت يوماً، فذلك قد يستغرق عقوداً طويلة، وستكون علاقات محورها الشك في جدية وصفاء وحسن النوايا الإيرانية.
*كاتب إماراتي