على الرغم من ضخامة ميزانية وزارة الدفاع الأميركية التي أقرها الكونجرس في أواخر العام الماضي والبالغة أكثر من 900 مليار دولار، فهي لم تلحظ أي مبلغ لتمويل الحرب على إيران، لكنها لحظت تمويل العمليات، والصيانة، وتحديث الترسانة العسكرية، مع تركيز خاص على مواجهة التهديدات في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وزيادة أجور العسكريين.
مع الإشارة إلى أن هذا الإنفاق المرتفع، يأتي في ظل توجهات لرفع ميزانية العام المقبل إلى 1.5 تريليون دولار. لذلك يُظهر تحليل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن معظم الأموال التي صرفت في الأيام الأولى من العمليات، لم تكن مغطاة في ميزانية وزارة الدفاع، مما يرجح لجوء الإدارة الأميركية إلى طلب اعتمادات إضافية من الكونجرس.
وتختلف الأرقام المطلوبة لتغطية نفقات الحرب في حال استمرت نحو60 يوماً، وتبدأ من 40 مليار دولار لتصل إلى 90 ملياراً، وبعض التقارير أشارت إلى رقم وسطي لا يزيد على 65 مليار دولار.
ولوحظ أن هذا المسار لا يمثل سابقة في السياسة المالية للحروب الأميركية، إذ سبق أن اعتمدت الإدارات الأميركية المتعاقبة في حربي العراق وأفغانستان آلية تمويل طارئة عرفت باسم «حساب العمليات الطارئة الخارجية»، استخدمها الكونجرس لتمويل العمليات العسكرية خارج الميزانية الدفاعية التقليدية. وقد تجاوز إجمالي الأموال المخصصة لهذا الحساب تريليوني دولار، قبل إلغائه عام2021، مما أثار في حينها انتقادات واسعة بسبب إتاحته إنفاقاً كبيراً خارج القيود الرقابية المعتادة على الموازنات العامة، وتشير تقديرات إلى أن الحرب الحالية على إيران قد تسلك مساراً مالياً مشابهاً، إذا اتسعت أو طال أمدها. وعلى رغم أن المواجهة مع إيران ما تزال في مراحلها الأولى، فإن خبراء الاقتصاد يحذرون من أنه حتى الحروب المحدودة قد تخلف آثاراً مالية طويلة الأمد إذا امتدت زمنياً، حيث يؤدي توسيع الإنفاق العسكري إلى زيادة العجز المالي الأميركي ورفع الدين السيادي، مما يفرض لاحقاً أعباء إضافية على الميزانية الفيديرالية في شكل مدفوعات فوائد متزايدة على الديون المتراكمة. ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك بشكل سلبي على المجتمع الأميركي.
وفي هذا السياق تكشف المعطيات الأولية التي رصدتها مراكز الأبحاث الأميركية عن فاتورة ضخمة بدأت تثقل كاهل دافعي الضرائب في الولايات المتحدة، والذي يقدر عددهم بنحو 160مليون شخص، وبما أن إنفاق نحو3.7 مليار دولار في أول 100ساعة من الحرب على إيران يعادل 23 دولاراً لكل دافع ضرائب.
أما إذا ارتفعت الكلفة الإجمالية للعمليات إلى نحو50 مليار دولار، فإن العبء يصل إلى نحو 312 دولاراً على المواطن الأميركي. وتكمن الخطورة أكثر في أن هذه التطورات تأتي مع تضخم حجم الدين الأميركي وارتفاعه إلى نحو 38.5 تريليون دولار، وقد بلغت كلفة الفوائد 970.4 مليار دولار في العام الماضي، ووفق «وول ستريت جورنال»، فإن الوضع المالي الأميركي، أسوأ بكثير مما تواجهه وزيرة الخزانة البريطانية، حيث يتوقع صندوق النقد الدولي بلوغ الدين البريطاني 95 في المئة من الناتج المحلي وبعجز4.3 في المئة، بينما يتوقع أن يبلغ الدين الأميركي 100 في المئة، مع عجز يفوق 7 في المئة، وهو الأعلى في العالم المتقدم.
وترى الصحيفة أن ما ينقذ المالية، هو مكانة الدولار كعملة احتياط وتجارة عالمية، لكن كلا الدورين يواجه تحديات ، فكلما زادت واشنطن من استغلال بقية العالم مالياً، ارتفع خطر بحث الآخرين عن بدائل.
*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية.