يشكّل اليوم العالمي للسعادة، الذي يصادف العشرين من مارس من كل عام، مناسبة عالمية للتأمل في مستوى رفاه المجتمعات وقياس مدى التقدم الذي تحققه الدول في توفير حياة كريمة ومستقرة لأفرادها.
وفي هذا السياق تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة بوصفها نموذجاً متقدماً في المنطقة في تبني مفهوم السعادة كسياسة حكومية متكاملة، إذ عملت منذ قيام الاتحاد عام 1971 على ترسيخ رفاه الإنسان باعتباره محور التنمية وغايتها.
وقد حرصت الإمارات على جعل السعادة ركناً أساسياً في أسلوب الحياة لمواطنيها والمقيمين على أرضها، حتى باتت توصف بأن شعبها من بين أكثر الشعوب سعادة في المنطقة. ولم تنظر إلى السعادة باعتبارها قيمة معنوية مجردة، بل جعلتها معياراً عملياً لتقييم السياسات العامة وقياس نجاح الخطط التنموية. فالتنمية في التجربة الإماراتية لا تقاس فقط بمعدلات النمو الاقتصادي أو تطور البنية التحتية، بل أيضاً بمدى شعور الإنسان بالرضا والاستقرار وجودة الحياة.
ومن هذا المنطلق أصبحت السعادة هدفاً استراتيجياً تسعى الحكومة إلى تحقيقه من خلال برامج وسياسات متعددة تشمل مختلف القطاعات. وقد انعكس هذا التوجه في النتائج التي تحققها الإمارات في تقرير السعادة العالمي، حيث حافظت على المركز الأول عربياً لسنوات طويلة، كما حققت مراكز متقدمة على الصعيد الدولي. فقد احتلت المركز الثامن والعشرين عالمياً عام 2015، ثم وصلت إلى المركز الثاني والعشرين عالمياً عام 2024، ثم المركز الحادي والعشرين عام 2025. ولا يعتمد هذا التقرير على مؤشر واحد لقياس السعادة، بل يستند إلى مجموعة متكاملة من المعايير التي تعكس جودة الحياة في المجتمعات.
وتشمل هذه المعايير مستوى دخل الفرد، ومتوسط العمر الصحي المتوقع، ومستوى الدعم الاجتماعي، وحرية الأفراد في اتخاذ القرارات المتعلقة بحياتهم، إضافة إلى مؤشرات العمل التطوعي والثقة بالمؤسسات وانتشار المشاعر الإيجابية. وانطلاقاً من هذا الفهم الشامل للسعادة، حرصت الإمارات على إدماج مفهوم سعادة المجتمع ضمن منظومة العمل الحكومي، حيث أطلقت عام 2016 وزارة السعادة وجودة الحياة في خطوة تعد الأولى من نوعها عالمياً. وقد هدفت هذه المبادرة إلى تنسيق السياسات والبرامج الحكومية بما يسهم في تعزيز رفاه المجتمع ورفع مستوى الرضا لدى المواطنين والمقيمين. ولم يقتصر الاهتمام بالسعادة على مستوى السياسات العامة، بل امتد إلى الابتكار في قياسها ومتابعة مستوياتها بشكل مستمر.
وفي هذا الإطار أطلقت حكومة دبي مبادرات تقنية متقدمة لقياس رضا الأفراد عن الخدمات الحكومية بصورة فورية، من أبرزها «مؤشر السعادة الذكي»، وهو نظام رقمي يتيح قياس رضا المستخدمين عن الخدمات الحكومية في الوقت الحقيقي، ما يساعد الجهات الحكومية على تحسين الخدمات بسرعة والاستجابة لاحتياجات المجتمع بكفاءة أكبر.
وتندرج هذه الجهود ضمن رؤية تنموية بعيدة المدى تهدف إلى ترسيخ جودة الحياة والسعادة كجزء أساسي من مسار التنمية الوطنية. فقد شكّلت السعادة أحد المحاور المهمة ضمن الخطط الاستراتيجية للدولة، وعلى رأسها رؤية الإمارات 2021 التي ركزت على بناء مجتمع متماسك يتمتع أفراده بأعلى مستويات الرفاه وجودة الحياة. وقد انعكس هذا التوجه في توفير بيئة معيشية متقدمة بالاعتماد على الاستقرار السياسي والأمني والازدهار الاقتصادي والانفتاح على العالم، إضافة إلى ترسيخ قيم التسامح والتعايش بين مختلف الثقافات. كما أسهمت البنية التحتية المتطورة والخدمات الحكومية الرقمية المتقدمة في تعزيز جودة الحياة وتحسين مستوى الرضا العام لدى أفراد المجتمع.
وعلى الرغم من هذه الإنجازات، فإن طموح الإمارات يتجاوز الحفاظ على موقعها المتقدم عربياً، إذ تسعى إلى تعزيز حضورها ضمن قائمة الدول العشر الأكثر سعادة على مستوى العالم. وتؤكد التجربة الإماراتية في المحصلة أن تحقيق السعادة المجتمعية يرتبط بإرساء سياسات تنموية تضع الإنسان في صدارة أولوياتها.
فالمجتمعات التي تستثمر في رفاه سكانها وتعزز جودة حياتهم وتوفر لهم فرص الاستقرار والنمو هي المجتمعات الأكثر قدرة على تحقيق التنمية المستدامة وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً، وهو المسار الذي تواصل الإمارات السير فيه بثبات.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.