في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة، والأزمة التي تعيشها منطقة الخليج العربي، وأصوات اعتراض قواتنا الباسلة لاعتداءات غاشمة، يأتي السؤال حول الأطفال وتأثرهم بهذه الأحداث الغريبة عليهم. وهنا نجد للأسرة دوراً كبيراً في فرد غطاء من الطمأنينة على روح الأطفال والأبناء تحت هذه الظروف.
هنا يتحول السؤال عن دور الأسرة من مجرد قضية تربوية إلى قضية وجودية تستشرف مستقبل البنية النفسية للأطفال في المستقبل، حيث نواجه واقع تحويل الأسرة من وحدة بيولوجية إلى مختبر للصلابة النفسية وقاعدة ارتكاز صلبة لصياغة مشاعر ومفاهيم الانتماء إلى الوطن، فالأسرة هي المصنع الأول للطمأنينة والحصن الوجودي الذي يمنح الفرد شعوراً بالاستقرار، وهي حائط الصد الأول الذي يعيد ترتيب العالم الخارجي إلى نظام داخلي مفهوم ومطمئن.
وعند هذه الزاوية من صناعة الطمأنينة، نحتاج أن نعي أنّه لا بد من تنشئة أفراد الأسرة على الوعي وقراءة الواقع الحقيقي، وعدم الانجراف وراء الأخبار الزائفة عبر شبكات التواصل الاجتماعي. إن دور الأسرة هنا يبدأ من التوعية بكيف يحصل الأطفال والأبناء على الأخبار الحقيقية، وتكوين غلاف عازل عن كم الزيف الذي تمتلئ به شبكات التواصل الاجتماعي، ثم تفكيك الأخبار الحقيقية وتحويلها من مصدر قلق إلى مصدر لتعزيز الشعور بالانتماء إلى الوطن، وقدرة على تجاوز القلق إلى حالة من الطمأنينة الفاعلة.
إن التعامل مع وعي الطفل بقيمة الوطن يبدأ من مقاربة تفرض على الأسرة تجاوز مفهوم حجب الأخبار وإلهائهم عنها، لأن ذلك الحجب يولد اغتراباً للطفل عن واقعه ووطنه، لذلك الطمأنينة هنا ليست في عزلهم عن الأحداث، بل في تحول الطمأنينة إلى فعل معرفي واعٍ حين تجلس الأسرة معاً لتفكيك تلك الأخبار والأحداث، وتحويلها إلى مصدر لتعلم الصمود والمواجهة الفاعلة للأزمات، وترسيخ مفهوم أن الوطن ليس مجرد فضاء جغرافي يجمعنا معاً، بل هو منظومة من القيم الصلبة بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، ويدعمها تلاحم مجتمعي متعاضد.
وفي قلب هذه الأزمة، نقف على وجود المرأة كمهندسة حقيقية للسكينة والطمأنينة الوطنية، فهي الأم التي لا تمثل وظيفة مجتمعية فقط، بل هي ثمار ما يسمى بالهندسة الثقافية للأسرة بهدف حماية الفضاء المنزلي من التلوث المعلوماتي، من خلال ممارسة تصفية المصادر الإخبارية وتكريس السلوكيات الروتينية العائلية، مثل الاجتماع على الطعام أو أمام التلفاز، من أجل هذا التفكيك الإيجابي للأحداث وزرع الطمأنينة في نفوس أفراد العائلة. قد تبدو مجرد ممارسة بسيطة، لكن عمقها الاجتماعي كبير، فهي تصبح حارسة للأمن المجتمعي.
هذه المنظومة الدفاعية الأسرية ترتكز على خمس دعائم جوهرية تمثل الخريطة الجينية للوجدان الإماراتي، تبدأ من خلال الثقة بالله والتوكل عليه كمرجعية روحية عظمى، وتمر بـ«الانتماء العضوي» الذي يحول حب الوطن إلى هوية كفاحية تلتف حول القيادة، وصولاً إلى «الصلابة النفسية» التي تغرس في الأبناء فلسفة تاريخية مفادها أن الأزمات عارضة والوطن جوهر دائم، ثم يأتي «التعايش» كقيمة عليا في مجتمع يحتضن مئات الجنسيات، لتختتم هذه المنظومة بـ«فعل الأمل» الذي يؤمن بأن الغد ليس قدراً ننتظره، بل واقعاً نبنيه بأيدينا.
وبناءً عليه، فإن حضور المرأة الإماراتية في هذا الفضاء الأسري والمجتمعي يعكس وعياً جمعياً بأن الاستقرار الوطني هو في جوهره انعكاس للاستقرار داخل جدران البيت، لتتحول البيوت الإماراتية إلى قلاع من الهدوء والثقة، ويصبح الانتماء معها قدراً محتوماً ووعياً راسخاً، يضمن نشوء جيل يشعر بالأمان المطلق في حضن وطن غاصت جذوره في الأرض، وطالت طموحاته عنان السماء.
*باحثة إماراتية في الأمن الاجتماعي والثقافي، أستاذ زائر بكليات التقنية العليا للطالبات، أستاذ زائر بجامعة الإمارات العربية المتحدة.