الإعلام الوطني ليس مجرد قطاع ضمن منظومة الدولة، بل هو أحد أعمدتها الحيوية التي تُسهم في تشكيل الوعي العام وصياغة الهوية وحماية السردية الوطنية في مواجهة التحديات. وإذا كان من الشائع النظر إلى بعض القطاعات من زاوية الربح والخسارة، فإن الإعلام، مثله مثل التعليم والصحة والثقافة، يخرج عن هذا المنطق الضيق، لأنه استثمار في الإنسان والعقل والذاكرة الجمعية، لا في العائد المالي المباشر.
إن دعم الإعلام الوطني لم يَعُد خياراً، بل ضرورة استراتيجية، خاصة في ظل صعود شركات إعلامية عالمية كبرى لا تحكمها بالضرورة معايير الربح التجاري بقدر ما توجّهها أجندات ومصالح مموليها. وفي هذا السياق، يصبح الإعلام الوطني خط الدفاع الأول عن الصورة الحقيقية للدولة، وعن قيمها، وعن روايتها للأحداث في عالم تتصارع فيه السّرديات بقدر ما تتصارع فيه المصالح.
وتتجلّى أهمية الإعلام الوطني بصورة أوضح في أوقات الأزمات، حيث لا يكون مجرد ناقل للخبر، بل فاعلاً في إدارة الوعي، ومهدئاً للمخاوف، ومصدراً للثقة والطمأنينة. وفي هذه اللحظات تحديداً، يُختبر جوهر الإعلام الحقيقي، فالإعلام الوطني هو الذي يعتمد الصدق والمسؤولية معياراً له، ولا تضيع بوصلته تحت ضغط الأحداث، فلا تختلط لديه المصطلحات، ولا تنطوي عليه التهويلات، ولا ينساق خلف الإثارة على حساب الحقيقة، بل يقدّم خطاباً متزناً يضع المعلومة في سياقها الصحيح ويصون وعي المجتمع من التضليل.
وفي هذا الإطار، تتجلى الرؤية العميقة لقيادتنا الرشيدة في فهم دور الإعلام ومسؤوليته، حيث يؤكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، أن «العمل الإعلامي رسالة قبل أن يكون مهنة أو وظيفة، لأنه يتعامل مع عقول الناس وأفكارهم وتوجهاتهم، وبالتالي فإن التعامل مع الكلمة، سواء كانت مسموعة أو مكتوبة أو مرئية، يجب أن يكون بمسؤولية وحسٍّ وطني يُعلي من المصلحة العليا للوطن ويضعها في مقدمة الأولويات». وهذه المقولة تختصر جوهر الإعلام الوطني، وتضع له معياراً أخلاقياً ومهنياً واضحاً، يجعل من الكلمة أمانة، ومن الحقيقة مسؤولية، ومن الوطن بوصلة لا تحيد.
ومن هنا، فإن الإعلام الوطني ليس مهنة فحسب، بل هو مسؤولية وواجب وطني، يتطلب وعياً عميقاً بدوره، والتزاماً أخلاقياً ومهنياً عالياً. وهو مسؤولية مشتركة لا تقع على عاتق المؤسسات الإعلامية وحدها، بل تمتد لتشمل صنّاع القرار والمؤسسات التعليمية والمجتمع بأسره، لأن بناء خطاب إعلامي متماسك هو جزء من بناء الدولة نفسها.
وفي إطار تعزيز هذا الدور، يبرز دعم الإعلام التقليدي كأحد المحاور الأساسية، إذ لا يزال يمتلك رصيده من المصداقية والتأثير، خاصة إذا ما تم تطوير أدواته وتحديث محتواه ليواكب التحولات الرقمية المتسارعة. فالتكامل بين الإعلام التقليدي والحديث لم يَعُد ترفاً، بل ضرورة لخلق منظومة إعلامية متماسكة وقادرة على الوصول إلى مختلف شرائح المجتمع دون فقدان العمق أو الموثوقية.
كما أن الاستثمار في الكوادر البشرية يُمثّل حجر الزاوية في بناء إعلام وطني قوي، وذلك من خلال إعداد جيل من الإعلاميين المؤهلين علمياً ومهنياً، القادرين على التعامل مع أدوات الإعلام الحديث وفهم ديناميكيات وسائل التواصل الاجتماعي وصناعة محتوى مؤثّر يتسم بالمهنية والابتكار. ويكتمل هذا المسار بوجود إعلاميين متخصصين في الإعلام الرقمي والسوشال ميديا، يمتلكون القدرة على قراءة المزاج العام والتفاعل معه بذكاء ومسؤولية، دون التفريط بالمعايير المهنية.
ولا يقلُّ أهمية عن ذلك تطوير مجالات حديثة داخل الحقل الإعلامي، مثل إعلام البيانات، والتحقق من الأخبار، وإدارة الأزمات الإعلامية، وصناعة المحتوى الرقمي، بما يواكب التحولات العالمية، ويعزّز من قدرة الإعلام الوطني على المنافسة والتأثير. كما أن بناء منصات رقمية وطنية قوية، ودعم إنتاج محتوى يعكس الهوية والثقافة المحلية، يعزّز حضور الدولة في الفضاء الإعلامي العالمي ويحصّن روايتها من التشويه أو التهميش.
وفي المحصّلة، يبقى الإعلام الوطني مرآة الوطن وصوته، ودرعه في مواجهة التحديات، وأداته في بناء المستقبل. وكلما ازداد دعمه وتمكينه، ازداد الوطن قوة وثباتاً وقدرة على إيصال رسالته بثقة ووضوح إلى العالم، دون أن يفقد بوصلته التي لا تشير إلا إلى الحقيقة، ولا توجّهها إلا المصالح العُليا للدولة.
*كاتب إماراتي