في ظل رؤية استراتيجية متكاملة، نجحت دولة الإمارات العربية المتحدة في ترسيخ نموذج مبتكر يعزّز استدامة أمنها الغذائي، من خلال تكامل الخطط الطموحة مع الاستثمارات النوعية والاستفادة من التقنيات الحديثة، ويستند هذا النموذج إلى نهج استباقي قادر على مواجهة التحديات العالمية وتحويلها إلى فرص تنموية، مدعوماً بمنظومة متطورة تجمع بين المخزون الاستراتيجي وشبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية الدولية مع مختلف أسواق العالم، بما يضمن استقرار الإمدادات الغذائية في مواجهة الأزمات المحتملة.
وفي هذا السياق، يؤكد معالي عبدالله بن طوق المري، وزير الاقتصاد والسياحة، أن دولة الإمارات لا تعتمد فقط على مواردها المحلية المحدودة، بل تمتلك بنية لوجستية متطورة وشاملة تشمل موانئ حديثة، ومسارات شحن مرنة، ومراكز تخزين ومناولة متقدمة، مدعومة بأحدث التقنيات الرقمية وأنظمة إدارة ذكية، إلى جانب شبكة فعّالة من الشراكات التجارية الدولية، الأمر الذي يرسّخ مكانتها كمركز إقليمي استراتيجي لتوزيع الغذاء، ويعزّز قدرتها على تأمين الأمن الغذائي وضمان استدامة الإمدادات في مختلف الظروف الطارئة.
وفي ظل ما يستلزمه الأمن الغذائي من تكامل السياسات، والتكنولوجيا، والوعي المجتمعي، تهدف الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي إلى أن تكون دولة الإمارات رائدة في مؤشر الأمن الغذائي العالمي بحلول عام 2051، عبر تطوير إنتاج محلي مستدام مدعوم بالتقنيات لكامل سلسلة القيمة، وتوظيف الحلول الذكية في إنتاج الغذاء، وتعزيز المبادرات الداعمة للبحث والتطوير الغذائي، وتسهيل الإجراءات التشغيلية في القطاع الزراعي، ودعم نُظم التمويل للأنشطة الزراعية والغذائية، والحد من الفقد والهدر الغذائي، وتقديم برامج تدريبية للسلامة الغذائية.
وانطلاقاً من التركيز على توظيف الأدوات التكنولوجية المتقدمة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، لتعزيز الأمن الغذائي المستدام وتحسين جودة الإنتاج، أعلنت هيئة الزراعة والسلامة الغذائية في أبوظبي عن شراكة استراتيجية مع مكتب الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي وتطبيقات العمل عن بُعد، تهدف إلى تبني حلول الذكاء الاصطناعي المبتكرة في الممارسات الزراعية المستدامة، ورفع معايير سلامة الغذاء عبر أنظمة تحليل البيانات الدقيقة، وتعزيز القدرة على التنبؤ بالمخاطر، وتحسين سلسلة الإمداد الغذائي، بما يسهم في دعم الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي وتعزيز الاستدامة البيئية والاقتصادية على المدى الطويل.
ولا يقتصر نهج دولة الإمارات على الداخل فحسب، بل يمتد إلى تعزيز التعاون الدولي وتوسيع آفاق الحلول المبتكرة على المستوى العالمي، حيث أطلقت مسابقة عالمية لتحدي تكنولوجيا الغذاء تهدف إلى تحديد وتوسيع نطاق أكثر الابتكارات الواعدة في مجالات التكنولوجيا الزراعية والنُظُم الغذائية، وتطبيقها بشكل سريع وفعّال، بما يسهم في تعزيز الإنتاج الغذائي وتقليل فقدان الطعام وهدره، خصوصاً في المناطق ذات البيئة القاحلة والأكثر عرضة لتداعيات التغيّر المناخي. وقد حظيت المسابقة باهتمام دولي واسع، حيث شاركت شركات من نحو 113 دولة حول العالم، ما مثّل منصة استراتيجية لتبادل أبرز الابتكارات التكنولوجية وتطوير حلول مستدامة تدعم الأمن الغذائي العالمي، وتعزّز مكانة الإمارات كمحفّز دولي للابتكار الزراعي والاستدامة.

ومع جهودها المستمرة لمواجهة أزمات نقص الغذاء التي يتعرض لها الملايين حول العالم، تسعى الإمارات إلى الانتقال من الاستجابة الإغاثية السريعة إلى تبني حلول تنموية طويلة الأمد تركّز على تمكين المجتمعات المحلية وبناء قدراتها وتعزيز النُظُم الغذائية، حيث تعمل على تطوير شراكات استراتيجية فعّالة مع المنظمات الدولية والحكومات الوطنية لتحقيق نظم غذائية أكثر عدلاً واستدامة، ولا سيما في المناطق المتأثرة بالنزاعات والصدمات المناخية، بما يسهم في تعزيز مرونة النُظُم الغذائية العالمية ودعم التنفيذ الفعّال لأهداف التنمية المستدامة، ويؤكد دور الدولة كمساهم عالمي رئيسي في تحقيق الأمن الغذائي المستدام على المستويين الإقليمي والدولي.
في ضوء ما سبق، يتّضح أن نجاح دولة الإمارات في مجال الأمن الغذائي ليس مجرد إنجاز عملي، بل يعكس استراتيجية شاملة تقوم على الابتكار المستمر، والتخطيط الاستباقي. ولا شك أن هذا الإنجاز يُبرز قدرة الإمارات على تحويل التحديات إلى فرص، ويعكس نموذجاً يُمكن للدول الأخرى الاستفادة منه في تعزيز الأمن الغذائي والاستدامة، مما يؤكد أن الرؤية المستقبلية والدعم المؤسسي هما مفتاح تحقيق التنمية المستدامة.

*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.