نعيش في عالم، من ناحية، يتّسع للجميع بتنوعهم واختلافهم، ومن ناحية أخرى، يحاول البعض أن يقصي فيه الآخرين ويستبعدهم ويضطهدهم لمجرد كونهم مختلفين عنه. في هذا التناقض تظهر تحديات فكرية وسلوكية ودينية تتعلق بقدرتنا على التفاهم والعيش المشترك. ففي زمن الذكاء الاصطناعي والعولمة يظهر ما يمكن وصفه بالانغلاق الديني أو التشدد الفكري (أو البلطجة الدينية)، حيث تتحوّل القناعات الشخصية إلى معايير مطلقة غير قابلة للنقاش، وأدوات لقمع الآخرين، وهي غالباً ما تُقدَّم بغطاء ديني يَحول دون أي محاولة للفهم أو التقييم أو التغيير أو التطور. هذا النمط من التفكير لا يحجب البصيرة فحسب، بل يغلق باب الرحمة والحوار، ويخلق مساحة يختلط فيها اليقين بالإقصاء، التدين بالبلطجة، الاقتناع بالانغلاق، والورع بالقسوة والفجاجة.
ترتسم هذه الظاهرة في المجتمعات التي تتبنى فكرة واحدة، وتعتبرها الحقيقة الوحيدة والمطلقة، فيتحول هذا الإيمان من مصدر إلهام ونضوج وتطور وتقارب إلى أداة للتمايز والشعور الزائف بامتلاك الحقيقة وتبرير البطش. تكمن خطورة هذا في أن، ومع مرور الوقت، ينشأ شعور بالتفوق الوهمي على الآخرين، ويُنظر إلى الاختلاف بوصفه تهديداً لا إثراءً. مما يقود إلى تبني التشدد واللامنطق.
يتجلى هذا عندما تُحاك الأحكام بمقاييس مزدوجة، عندما ما نرفضه عند غيرنا نُبرره عند أنفسنا، وما نطالب به الآخرين من احترام لا نمارسه معهم. هذه الحالة من «العمى الاختياري» أو «الازدواجية النفسية» تفتح الباب لتبرير الظُلم، والتدخل في خصوصيات الآخرين، وعدم احترام حرية المختلفين، بل وربما فرض القناعات الشخصية والاجتماعية وحتى الدينية بالقوة أو العنف أو التقليل من قيمة كل من يختلف، وأحيانا باسم القانون والدستور والعقيدة.
من أخطر مظاهر هذا الانغلاق الفكري أن يتحول الخطأ إلى أمر قابل للتجاهل عندما يصدر من «أفراد عشيرتنا»، بينما يُدان بقسوة إن وقع من خارج دائرتنا. هذا الصمت ليس مجرد تجنب للمواجهة، بل هو تجاهل للحق، ويسهم في ترسيخ الانقسام وتعميق الجراح بين الناس. إن العدل لا يتجزأ، واحترام الحقيقة لا يعرف الانحياز، وإدانة الخطأ ينبغي أن تكون مبدأً ثابتاً لا يرتبط بهوية الفاعل.
يحتاج الخروج من هذا التعصب الأعمى ومن هذه الإشكالات المدمرة للذات وللآخرين، العودة إلى أُسس إنسانية راسخة، مثل تبني فضيلة العدل، والمنطق، واحترام الآخر، والاعتماد على التفكير العلمي في الحكم على الأمور. إن قبول الاختلاف لا يعني التخلي عن القناعات، بل يعني الإقرار بأن لكل إنسان الحق والحرية في أن يرى العالم بطريقته.
الدين الحقيقي، في جوهره، لا يمكن أن يكون أداة صراع ولا ساحة لإثبات التفوق، بل هو ممارسة الصلاح والرحمة والتقوى عبر تبني العدل والتواضع ودعم قيم الحوار والانفتاح مع الجميع. هو ذلك الاتساع القلبي الذي يعلّم الإنسان أن الكرامة حق لكل إنسان، وأن الإحسان لا يُفرّق بين شخص وآخر، وأن مواجهة الظلم، أيًا كان مصدره، مسؤولية أخلاقية لا يليق أن نتخلى عنها، وأن الحكم النهائي هو لله وحده الذي يشرق شمسه على الجميع دون تمييز. كما تؤكد وثيقة أبوظبي: «إنَّ هَدَفَ الأديانِ الأوَّلَ والأهمَّ هو الإيمانُ بالله وعبادتُه، وحَثُّ جميعِ البَشَرِ على الإيمانِ بأنَّ هذا الكونَ يَعتَمِدُ على إلهٍ يَحكُمُه، هو الخالقُ الذي أَوْجَدَنا بحِكمةٍ إلهيَّةٍ، وأَعْطَانَا هِبَةَ الحياةِ لنُحافِظَ عليها، هبةً لا يَحِقُّ لأيِّ إنسانٍ أن يَنزِعَها أو يُهَدِّدَها أو يَتَصرَّفَ بها كما يَشاءُ... وأنَّ الله لم يَخْلُقِ الناسَ ليُقَتَّلوا أو ليَتَقاتَلُوا أو يُعذَّبُوا أو يُضيَّقَ عليهم في حَياتِهم ومَعاشِهم، وأنَّه - عَزَّ وجَلَّ - في غِنًى عمَّن يُدَافِعُ عنه أو يُرْهِبُ الآخَرِين باسمِه».