في لحظات الصراع الكبرى، لا تُقرأ التصريحات السياسية بمعزل عن سياقها الميداني، ولا تُفهم الدعوات إلى التهدئة دون النظر إلى ما يجري على الأرض. ما نراه اليوم في سلوك إيران تجاه ملف التفاوض ليس تناقضاً، بل انعكاس لعقيدة سياسية وأمنية تقوم على مبدأ واضح: التفاوض ليس بديلاً عن القوة، بل امتداد لها. ومن هنا، فإن حديث وزير الخارجية الإيراني عن أن التواصل عبر الوسطاء لا يعني الرغبة في التفاوض، لا يُقرأ كرفض مطلق، بل كرسالة محسوبة لإدارة التوازن بين التصعيد والمرونة.
في المقابل، تطرح الولايات المتحدة سقفاً تفاوضياً مرتفعاً عبر حزمة من الشروط التي وصلت إلى خمسة عشر بنداً، تتناول البرنامج النووي والصاروخي، والنفوذ الإقليمي، ودور إيران في ملفات المنطقة. هذه الشروط، في جوهرها، لا تمثّل مجرد إطار لاتفاق سياسي، بل محاولة لإعادة صياغة السلوك الإيراني بالكامل. ولهذا، فإن قراءتها لا يجب أن تكون باعتبارها عرضاً للقبول المباشر، بل كأداة ضغط استراتيجية تهدف إلى دفع طهران نحو تنازلات تدريجية.
إيران، من جانبها، تدرك أن القبول بهذه الشروط بصيغتها الحالية يعني تقويض جزء كبير من منظومة نفوذها الإقليمي، وفقدان أدوات الردع التي بنتها على مدى عقود. ولذلك، فهي تتعامل معها وفق منطق مزدوج: رفض علني يحافظ على صورة الصمود، وقنوات خلفية تتيح مناقشة التفاصيل بعيداً عن الضغوط الإعلامية. هذا التباين ليس تناقضاً، بل أسلوباً تفاوضياً مدروساً يهدف إلى كسب الوقت وتحسين الشروط.
في هذا السياق، يستمر التصعيد العسكري، بما في ذلك استهداف دول الخليج، كجزء من محاولة إعادة تشكيل ميزان القوى قبل أي مفاوضات محتملة. فإيران لا تريد الذهاب إلى الطاولة وهي تحت الضغط، بل وهي قادرة على فرض معادلة تقول إنها مازالت تملك القدرة على التأثير. الأرقام على الأرض تعكس هذا النهج، إذ شهدت المرحلة الأخيرة نمطاً تصاعدياً في الاعتداءات الإيرانية الغاشمة، في مقابل جاهزية دفاعية عالية من دول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات، التي تمكّنت من اعتراض نسبة كبيرة من التهديدات الجوية، في واحدة من أعلى معدلات الكفاءة الدفاعية في المنطقة.
استهداف الخليج بالاعتداءات يحمل أيضاً رسائل تتجاوز البعد العسكري المباشر، فإيران تضغط على ممرات الطاقة، وتختبر حدود الردع الإقليمي، وتبعث بإشارة إلى أن أي صراع لن يبقى محصوراً جغرافياً. ومع ذلك، فإن هذا التصعيد يبقى ضمن حدود محسوبة، إذ تدرك طهران أن الانزلاق إلى حرب شاملة سيحمل كُلفة لا يمكن السيطرة عليها، داخلياً وخارجياً.
في العمق، لا تسعى إيران إلى حرب مفتوحة بقدر ما تسعى إلى اتفاق بشروط أفضل. والتجارب السابقة تثبت أنها تتحرك نحو التفاوض عندما تتقاطع ثلاثة عوامل رئيسية: ضغط عسكري حقيقي، واستنزاف اقتصادي متزايد، ووجود مخرج سياسي يحفظ ماء الوجه. هذه العوامل بدأت تتشكّل، لكنها لم تصل بعد إلى نقطة التحول الحاسمة.
في المقابل، أظهرت دول الخليج مستوى عالياً من النضج في إدارة الأزمة، حيث جمعت بين الجاهزية العسكرية والهدوء السياسي، وهو توازن حدّ من فعالية الضغوط الإيرانية، ومنع التصعيد من التحول إلى مواجهة مفتوحة. هذا النهج عزّز من الاستقرار، وأضعف من قدرة إيران على تحقيق مكاسب استراتيجية عبر التصعيد وحده.
المشهد اليوم يقف عند نقطة فاصلة: شروط أميركية مرتفعة، ومناورة إيرانية محسوبة، وتصعيد ميداني يقابله احتواء سياسي. وهذا يعني أن المسار الأقرب ليس اتفاقاً شاملاً وفق الشروط المطروحة، بل ترتيبات مرحلية تُبنى تدريجياً، وتنخفض فيها سقوف المطالب مع مرور الوقت وتبدل موازين القوى.
وفي هذا السياق، تبقى الحقيقة الأهم أن من ينجح في إدارة الصراع، لا من يشعله، هو من يحدد شكل النهاية. وبين سقف الشروط وواقع الميدان، تتشكّل ملامح المرحلة المقبلة: توازن جديد لا يُعلن في البيانات، بل يُفرض أولاً على الأرض ثم يُترجم على طاولة التفاوض.
*لواء ركن طيار متقاعد.