في تاريخ الدول، لا تُقاس القوّة بما تمتلكه من عتاد، بل بقدرتها على الثبات حين تُختبر. فالأزمات الكبرى لا تكشف حجم التهديد وحده، بل تكشف طبيعة البناء الذي قامت عليه الدولة وصلابة أساسه. وحين تتعرّض دولة لموجات متتالية من الصواريخ الباليستية والجوَّالة والطائرات المسيّرة، لا يكون السؤال الحقيقي عن حجم الضرر، بل عن كفاءة الدولة في صدّ التهديد، وقدرتها على إفشال الغاية الاستراتيجية للعدوان: ضرب الاستقرار وإرباك البنية الداخلية للدولة، والنيل من الثقة بقدرتها على السيطرة والتماسك. هنا يظهر الفارق بين دولة تتلقى الضربة، ودولة تحتويها وتُحبط غايتها ثم تخرج منها أكثر صلابة.
ما شهدته الإمارات من عدوان إيراني إرهابي لم يكن حادثاً عابراً، بل اختباراً كاشفاً لسنوات من البناء المنهجي الهادئ. فالفارق بين دولة تُفاجأ بالأزمة، وأخرى تستقبلها بخطط جاهزة، لا يُقاس بسرعة الاستجابة وحدها، بل بطبيعة الدولة نفسها: أهي دولة تحكمها ضغوط اللحظة، أم دولة راسخة بُنيت على رؤية تجعل الاستعداد جزءاً من بنيانها لا ردّ فعل على أخطارها؟
ومن هذا المنظور، فإن ما أعلنته وزارة الدفاع يوم أمس من اعتراض أكثر من 2213 هدفاً معادياً لا يمكن قراءته بوصفه رقماً عسكرياً عابراً، لأن الأرقام في مثل هذه اللحظات لا تحصي فقط ما تم إسقاطه في السماء، بل تكشف ما تم استثماره في المنظومات الدفاعية والتكنولوجيا المتقدمة، وتأهيل الكوادر البشرية، وترسيخ عقيدة عسكرية تقوم على الجاهزية والانضباط والكفاءة. والقوّة الحقيقية في مثل هذه المواجهات لا تكمن في مجرد صد الأهداف المعادية، بل في منع التهديد من إنتاج أثره الاستراتيجي.
فالعدوان لا يستهدف الإصابة المادية وحدها، بل يسعى إلى نشر الخوف في النفوس، وتفكيك انتظام الحياة اليومية، واختبار صلابة الدولة في وعي الناس قبل مؤسساتها. وحين تفشل هذه الغايات، يتحوّل النجاح من إنجاز دفاعي إلى نجاح سيادي.
وفي أدبيات الأمن القومي، يُستخدم مفهوم «الدولة الصامدة» لوصف الدول القادرة على الحفاظ على استقرارها الوظيفي تحت الضغط.
وفي الحالة الإماراتية، بدا هذا المفهوم واضحاً في الواقع: المطارات تعمل، الموانئ مستمرة، سلاسل الإمداد لم تنقطع، الحياة العامة لم تفقد انتظامها، والاقتصاد حافظ على إيقاعه. وهذه ليست مجرد تفاصيل تشغيلية، بل ترجمة عملية لمعنى السيطرة.
ويكشف البعد الإنساني لهذه المواجهة حقيقة أعمق. فالإصابات التي طالت مواطنين ومقيمين من جنسيات متعددة لا تعكس فقط وحشية العدوان، بل توضح طبيعة الإمارات نفسها: دولة حديثة ومنفتحة، تتقاطع فيها المصالح البشرية والاقتصادية في نسيج واحد. ولذلك فإن استهدافها لا يُقرأ كاعتداء على جغرافيا فحسب، بل كاستهداف لنموذج دولة نجحت في بناء معادلة متماسكة بين الأمن والتنمية والاستقرار. وقد دفعت الإمارات ثمناً لهذه المواجهة باستشهاد اثنين من أبطال قواتها المسلحة أثناء أداء واجبهما الوطني. وفي تاريخ الدول الراسخة، لا تُصان الاستمرارية من دون تضحيات تُغذّي المعنى الأخلاقي للدولة، وتُجدّد الرابط العميق بينها وبين أبنائها.
وفي أزمنة الاضطراب، لا يُقاس وزن الدول بقدرتها على الرد فقط، بل بقدرتها على حماية الاستقرار من دون أن تفقد توازنها أو تنحرف عن مسارها. والإمارات في هذه اللحظة لا تثبت قدرتها على الدفاع فحسب، بل تؤكد أنها دولة يقودها عقل استراتيجي يعرف كيف يحوّل التحدي إلى مصدر قوّة إضافي.
فالقوّة الحقيقية لا تتجلى حين يسود الهدوء بل تظهر حين تهب العاصفة. وفي هذه العاصفة تحديداً ظهرت الإمارات كما أرادها مؤسسوها منذ البداية: دولة واثقة بقدراتها، ثابتة في قراراتها، متجذرة في قيمها، وقادرة على حماية سمائها وأرضها ومستقبلها، وجعلت من المواجهة نفسها دليلاً ثابتاً على رسوخها.
*كاتب وباحث إماراتي