يثير الاعتداء الإيراني على دول الخليج العربية، ومن بينها دولة الإمارات العربية المتحدة، جملة من التساؤلات عن مدى فاعلية وجاهزية كثير من المؤسسات الدولية والمجتمعية التي تدعمها الإمارات طوال سنين مرّت، وعلى رأسها جامعة الدول العربية التي من المفترض أن تكون هي الملجأ والملاذ والمدافع عن كثير من حقوق العرب، والعنصر الفاعل في وقت الأزمات، وكذلك مؤسسات المجتمع المدني العالمية التي تلقّت الدعم من الإمارات، منذ تأسيس الدولة إلى يومنا الحاضر، من غير منّة ولا تفضُّل ولا تفريق على أساس العرق أو اللون أو الدين، ولم تُقصر يوماً معها، فأين هي فاعلية هذه المؤسسات إزاء الاعتداءات الإيرانية الغاشمة على دولة الإمارات العربية المتحدة؟ أين هو الموقف الذي ينبغي أن نراه على الساحة العالمية! أين هو صوت تلك المؤسسات والجمعيات والمراكز التعليمية والبحثية، فضلاً عن الدول التي طالما تمتعت بدعم ورعاية من الإمارات؟
الواقع أن الإمارات لا تستجدي من أحد صوتاً ولا مساعدة، كما لا تستجدي من أحد موقفاً في دعمها أو تأييدها، فقدرتها العسكرية والإدارية والقيادية كافية بأن تحمي الدولة وتحمي المواطنين والمقيمين فيها، فضلاً عن حكمة وبصيرة قيادتها الواعية القادرة بعون الله على أن تتجاوز هذه الأزمة الدولية كما تجاوزت كثيراً قبلها، ولكن نحن هنا بصدد التساؤل عن مدى فاعلية هذه المؤسسات وقت الحاجة.
وإذا كانت الحقيقة الواضحة أن الإمارات لا تستجدي أحداً من أجل نُصرتها، فنحن في الوقت نفسه نتساءل: أين هو الواجب الإنساني والأخوي؟ وأين هو الواجب الضميري ممّن كان عطاؤهم وصوتهم يملأ البلاد والإعلام بسبب دعم الإمارات لهم؟! وأين هي مواقفهم الواضحة مما يجري، ولو كان ذلك تنديداً واستنكاراً، وهو أضعف الإيمان؟! لماذا هذا الصمت لدى جامعة الدول العربية ومؤسساتها؟!
ولماذا هذا الصمت لدى مؤسسات المجتمع المدني الدولية؟! مثل هذه الأزمات تُنبئ بشكل واضح عن المواقف الحقيقية التي تتخذها الدول أو مؤسسات المجتمع المدني الدولية، والتي تم دعمها إماراتياً عبر خريطة العالم.
وإذا كانت هنالك مؤسسات كثيرة في مختلف الدول، سواء في أفريقيا أو آسيا أو أوروبا، أو في غيرها من البلدان أو المنظمات الدولية الكبرى كجامعة الدول العربية والمؤسسات التابعة لها، أو منظمة الأمم المتحدة ومؤسساتها، أو منظمة المؤتمر الإسلامي أو مجمع الفقه الإسلامي، فأنا أتساءل اليوم عن هذا الصّمت الرهيب، هل هو صمت المبرِّر أم صمت الخائف؟! لا نعتقد إذا أحسّنا النوايا أن هنالك تأييداً لهذه الاعتداءات، لكن على أقل تقدير أين هو الموقف السياسي والموقف المدني والموقف الشعبي إزاء هذه الاعتداءات؟ فالصمت في هذه الحالات ودفن الرأس بالرمال لحين عبور العاصفة لا يُعتبر موقفاً. فالرجولة كلمةٌ والسياسة موقف. في عالم السياسة لا يتم قياس أهمية المنظمات بتاريخ تأسيسها، أوما يسمى بعراقتها ولا بعدد المنتسبين إليها، بل يتم بفاعليتها وإنتاجيتها وحضورها، وسماع صوتها وتحركاتها في وقت الأزمات، لأن الأزمات والشدائد هي التي تُظهر مَنْ الذي وقف معك، ومَنْ وقف وقوف المتفرج حتى إذا ما انتهت الأزمة جاء مهنئاً بانتهائها.
المطلوب من هذه المؤسسات المجتمعية الدولية والإقليمية التي طالما تلقّت الدعم الإماراتي، ليس الإمداد بالجيوش ولا بالتدريبات، فهذا بفضل الله - عز وجل - قائمةٌ به الدولة على أكمل وجه، لكن المطلوب موقف سياسي واضح وإدانة صريحة ومباشرة يسمع بها العالم.
ونحن نكرّر هنا ما طرحه معالي الدكتور أنور قرقاش (أين مؤسسات العمل العربي والإسلامي المشترك وأين الدول العربية والإقليمية الكبرى؟) وهذه التساؤلات المشروعة لا تحمل طابع المعاتبة، بل تعكس أزمة فائدة وجود هذه المؤسسات، وهي أزمة حقيقية تتشكل بصمت مع وجود كل أزمة عربية أو إقليمية، واليوم قد ظهرت هذه الأزمة على الساحة عندما استدعت الظروف أن تتكلم هذه المؤسسات فما وجدنا منها إلا الصمت المريب والبُعد العجيب!
في السياسة - وحتى على المستوى الفردي - فإن العلاقات الدولية لا تقاس بمقياس وقت الرخاء، بل القياس الحقيقي يكون فيها وقت الشدّة، وهنا وجدنا أن قادة بعض الدول قد توجهوا شخصياً إلى العاصمة الإماراتية أبوظبي، رغم مخاطرة الطيران، لزيارة ومقابلة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، والتعبير له عن الوقوف إلى جواره وإلى جانب دولة الإمارات، وهو ما يعكس الأخوّة الحقيقية.
علينا أن ندرك بصراحة أن هنالك مَنْ ينتفعون من دعم الإمارات والوقوف إلى جانبهم خلال سنوات الرخاء - وهو ما لا أعتقد أن الإمارات ستوقفه حتى بعد الأزمة - لكن علينا أيضاً أن نضع الأشياء في مواضعها الصحيحة، وأن نضع تلك المؤسسات في موازين الحق والباطل وموازين الأخوّة والقرب والبُعد.
وباعتقادي أنه بعد انتهاء هذه الأزمة ستكون الإمارات أقوى مما كانت، كما أشار صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، هذا أولاً، والأمر الثاني أن لحظة التقييم أمست ضرورة حتمية لكثير من الأصدقاء، ومنها منظمات المجتمع المدني الدولية، إذ من الضروري غربلة هذه المؤسسات وطريقة دعمها وتقييم الجدوى من وجودها، مع التأكيد مرة أخرى أن دولة الإمارات لا تسعى لطلب المعونة من أحد ولا تعتب على أحدٍ، إلا أنها كما قال الشاعر:
جزى الله الشدائد كل خيرٍ. . وإن كانت تُغصصني بريقي
وما شكري لها إلا لأني.. عرفت بها عدوي من صديقي