عندما وقف الرئيس الكوبي «ميجيل دياز-كانيل» أمام علَم بلاده وتسلّم قيادةَ الحزب الشيوعي خلفاً لـ«راؤول كاسترو»، عام 2021، كانت تلك المرة الأولى منذ أكثر من ستة عقود التي يقود فيها كوبا شخصٌ من خارج عائلة كاسترو.
لكن في دولة أحادية الحزب، كان هذا التحول التاريخي في القيادة أقرب إلى تغيير شكلي منه إلى تحوّل جذري. ومع تلميح الرئيس ترامب مؤخراً إلى فكرة فرض تغيير سياسي أميركي على الجزيرة، تصبح بنية السلطة في كوبا عاملاً حاسماً. قال ترامب في 16 مارس: «أعتقد أنني سأحظى بشرف السيطرة على كوبا»، وأضاف وزير خارجيته ماركو روبيو في اليوم التالي: «يجب أن يأتي أشخاص جُدد إلى السلطة».
بعد عملية عسكرية أميركية ناجحة، في يناير الماضي، للإطاحة بزعيم يساري سلطوي آخر هو «نيكولاس مادورو» في فنزويلا، تبدو إدارة ترامب أكثر جرأةً. لكن خبراء كوبا يقولون إن نموذج الإطاحة بقائدٍ عبر القوة واستبداله بشخص أكثر توافقاً مع واشنطن، لن يكون نموذجاً فعالاً بالقدر نفسه في هافانا. فمعظم المعارضة السياسية الكوبية إما في السجن، أو خارج البلاد، بينما لا يزال المتشددون، ومن بينهم راؤول كاسترو، يمسكون بزمام الأمور، حتى وإن كان ذلك من خلف الكواليس.
يقول «بول هير»، السفير البريطاني السابق في كوبا: «ما لا يريده أحد، ولا يمكن توقّع أن يقبله أحد في كوبا، هو سيطرة أميركية.. إنها مجرد دبلوماسية وتكتيكات خيالية». ويضيف أن إدارة ترامب بحاجة إلى «النظر في الصورة الأوسع».
الحزب الشيوعي الكوبي هو الحزب السياسي الوحيد «القانوني» في الجزيرة، وهو يسيطر على جميع مفاصل الحكم، من المستوى المحلي إلى الوطني. ورغم أن رئيس كوبا هو رئيس الجمهورية، فإن السكرتير الأول للحزب يُعد الأكثر نفوذاً. لكن حتى بعد تنازله عن هذه المناصب القيادية البارزة، لا يزال راؤول كاسترو، الذي أطلق الثورة الكوبية عام 1959 مع شقيقه فيدل، يُعتبر ذا نفوذ هائل. ويشغل أبناؤه وأحفاده مناصب هامة متفاوتة، ويتمتعون بنفوذ كبير على الجيش والاقتصاد.
 يقول «كريستوفر ساباتيني»، الباحث البارز في شؤون أميركا اللاتينية في تشاتام هاوس، وهو مركز أبحاث بلندن، إن كوبا «حكومة شديدة الانضباط. ولا توجد فيها قنوات اتصال متعددة كتلك التي كانت تربط الولايات المتحدة بعناصر من الحكومة الفنزويلية» قبل القبض على مادورو. ويضيف: «البنية التنظيمية في كوبا هرمية للغاية. تغيير النظام في كوبا مستحيل، بل وخطير للغاية».
وقد فرض الرئيس «جون إف. كينيدي» حظراً اقتصادياً على كوبا عام 1962، وتم توسيعه في عام 1996 عبر قانون «هيلمز-بيرتون»، الذي جعل تغيير النظام في كوبا جزءاً من السياسة الأميركية. وكان البعض يأمل أن يؤدي الضغط الاقتصادي إلى انتفاضة شعبية تُسقط النظام الشيوعي.
لكن الحكومة الكوبية نجحت في استخدام الحصار الأميركي لتفسير الصعوبات الاقتصادية. وتنتشر في شوارع هافانا لافتاتٌ مناهضة للإمبريالية تنتقد الولايات المتحدة. وعلى مر السنوات، دعّمت دول مثل الاتحاد السوفييتي سابقاً، ثم فنزويلا وروسيا والصين لاحقاً، النظام الكوبي.
 وأدى الحصار النفطي الأميركي الأخير إلى تفاقم معاناة المواطنين الكوبيين، حيث تسبّب انقطاع الكهرباء في صعوبات كبيرة في الغذاء والنقل والرعاية الصحية. كما أن الأزمة الإنسانية تضع الحكومة الكوبية في موقف أضعف خلال المفاوضات مع الولايات المتحدة. وقد أقرّ دياز-كانيل لأول مرة، في 13 مارس الماضي، بوجود محادثات مع الأميركيين.
ومنذ جائحة كوفيد-19، غادر نحو مليوني كوبي البلادَ، بعد أن تضرر قطاع السياحة بشدة وتدهور الاقتصاد. وكان معظم المهاجرين من الشباب، بينما يُعدّ السكان المتبقون من كبار السن. يقول ساباتيني: «مصلحة الحكومة الكوبية تكمن في ضمان بقائها، ولن تنهار بسهولة حتى مع شعب مُنهك تماماً». ومع ذلك، يرى خبراء وجود فرصة للتغيير ضمن النموذج الاقتصادي الحالي، وربما وجود إصلاحيين داخل الحكومة. ويُحتمل أن يكون راؤول كاسترو أحدهم.
 قبل عشر سنوات، زار الرئيس باراك أوباما كوبا، احتفالاً بتحسن العلاقات الذي بدأ عام 2014، حيث أعادت الدولتان العلاقات الدبلوماسية وخُففت قيود السفر وأُزيلت كوبا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وسُمح للشركات الأميركية بالعمل هناك بشروط معينة.وكان ماركو روبيو من أبرز منتقدي سياسة أوباما، وقد تراجعت هذه الإصلاحات بعد وصول ترامب إلى الحكم عام 2017. ومنذ ذلك الحين، تدهور الوضع الاقتصادي في كوبا، خاصة بعد إصلاح نقدي فاشل، وبعد اندلاع احتجاجات واسعة عام 2021.
وفي 12 مارس، أعلنت كوبا الإفراج عن 51 سجيناً سياسياً بواسطة الفاتيكان. كما وعد دياز-كانيل بمنح «فرص» للجالية الكوبية في الخارج للاستثمار في القطاع الخاص أو الشراكة مع مؤسسات الدولة.
 كما التقى فريق روبيو بشخصية إصلاحية محتملة أخرى داخل النظام، هي «راؤول جييرمو رودريجيز كاسترو»، حفيد راؤول كاسترو، الذي يعمل ضمن فريق حمايته. ويقول «مايكل بوستامانتي»، الخبير بشؤون كوبا في جامعة ميامي: «إذا أردتَ الوصول إلى راؤول كاسترو، فلماذا لا تمر عبر حفيده، أحد أبناء هذا الجيل الجديد؟». قد تتمكن الولايات المتحدة من إقناع كاسترو الشاب بأنه «بإمكانه بناء مستقبل أفضل في ظل نموذج اقتصادي مختلف».
 لكن بالنسبة لكثيرين في الجالية الكوبية المؤثرة سياسياً في الولايات المتحدة، حيث نشأ روبيو، فإن فكرة الإصلاح الاقتصادي دون تحوّل ديمقراطي غير مقبولة. ومع ذلك، ألمح روبيو نفسه إلى ضرورة توقّع تغييرات تدريجية.
ويختم السفير السابق بول هير قائلاً: «سيكون من الجيد وجود انتخابات حرة ونزيهة، لكن منذ عام 1902 لم تعرف كوبا سوى نحو 13 عاماً من الديمقراطية الفعلية.. لا يمكنك ببساطة أن تهبط هناك وتعيد الديمقراطية فجأة».

 

 

*صحفية تغطي أخبار أميركا اللاتينية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»