كان التحول القوي نحو اليمين بين الناخبين من أصول لاتينية أحد الأسباب الرئيسية لفوز الرئيس دونالد ترامب والحزب الجمهوري في انتخابات عام 2024. وبعد عامين، قد تكون عودة الناخبين من أصول لاتينية إلى الحزب الديمقراطي السبب الأكبر لهزيمة الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي.
كان توجه الناخبين من أصول لاتينية من أبرز ظواهر انتخابات عام 2024. فقد أظهرت الاستطلاعات أن نائبة الرئيس كامالا هاريس فازت بأصوات هذه الفئة بفارق خمس نقاط مئوية فقط، انخفاضاً من فارق 33 نقطة مئوية حققه الرئيس جو بايدن قبل أربع سنوات من ذلك التاريخ. ويُذكر أن فوز بايدن كان أصغر من تقدم هيلاري كلينتون البالغ 38 نقطة بين اللاتينيين في عام 2016، ومن الانتصار الساحق لباراك أوباما بفارق 44 نقطة في 2012..
هذا التغير الجذري، الذي جاء عقب تحرك أبطأ في الاتجاه نفسه، أشار إلى إعادة اصطفاف مستدامة، وقد أثار قلق الديمقراطيين. ولطالما اعتمد الحزب الديمقراطي على الأميركيين من أصول لاتينية، إحدى أسرع الفئات السكانية نمواً في البلاد، لتعويض تراجع شعبيته بين الناخبين البيض غير الحاصلين على شهادة جامعية. وإذا استقر هذا الاتجاه – أو استمر - سيجد الديمقراطيون فجأةً أنه من شبه المستحيل الفوز بالرئاسة.
لكن بإمكانهم الآن التقاط أنفاسهم، على الأقل في الوقت الراهن، إذ تشير البياناتُ إلى عودة حادة للاتينيين إلى أنماطهم التصويتية السابقة قبل 2024. وهذا الأسبوع، اطلعتُ على جميع استطلاعات الرأي للناخبين المسجلين أو المحتملين في مؤشر رضا الناخبين التابع لموقع «ريال كلير بوليتيكس»، والتي تتضمن بيانات عن الناخبين اللاتينيين. وبشكل عام، بلغت نسبة رضا الناخبين اللاتينيين عن أداء ترامب 33.7% فقط في الاستطلاعات السبعة. وهذا لا يختلف كثيراً عن نسبة 32% التي حصل عليها من أصواتهم في عام 2020.
وتؤكد نتائج الانتخابات الأخيرة صحة استطلاعات الرأي. فقد وجد المحلل «ستيف كورناكي»، من شبكة «إن بي سي نيوز»، أن المرشحة الديمقراطية «ميكي شيريل» فازت في بلدات ذات أغلبية لاتينية في انتخابات حاكم ولاية نيوجيرسي العام الماضي بهوامش قريبة من أو أكبر من هوامش فوز بايدن في عام 2020. وتشير بيانات ولاية فرجينيا إلى أن المرشحة الديمقراطية «أبيجيل سبانبرجر» فازت أيضاً في مناطق ذات أغلبية لاتينية بهوامش أكبر بكثير من تلك التي حققتها هاريس.
ومن شأن نتائج كهذه، في نوفمبر القادم، أن تقضي على فرص الجمهوريين في الاحتفاظ بالسيطرة على مجلس النواب. إذ يشغل سبعة نواب جمهوريين حاليين دوائر انتخابية متأرجحة يشكل اللاتينيون فيها 14% أو أكثر من السكان في سن التصويت. وهناك ثمانية مقاعد محتملة أخرى يسعى الجمهوريون للفوز بها تضم نسباً مماثلة. ومن شبه المستحيل أن يحافظ الحزب على أغلبيته إذا خسر جميعَ هذه الدوائر.
قد يكون لتصويت الناخبين من أصول لاتينية دورٌ حاسم في مجلس الشيوخ أيضاً. فمعظم مقاعد مجلس الشيوخ المتنازع عليها في هذه الدورة الانتخابية ذات كثافة سكانية لاتينية منخفضة، إلا أن الناخبين اللاتينيين شكلوا نسبة 8% من إجمالي الناخبين في ولاية كارولاينا الشمالية عام 2024. وقد حصد ترامب أصوات الناخبين من أصول لاتينية هناك، فإذا تمكن المرشح الديمقراطي «روي كوبر» من الفوز بأغلبية ساحقة، فسيكون من الصعب للغاية على مرشح الحزب الجمهوري «مايكل واتلي» تحقيق الفوز.
كما يمكن أن يكون اللاتينيون العامل الحاسم في ولايات ذات نسب أقل. ففي عام 2024، خسر الجمهوري «مايك روجرز» سباقَ مجلس الشيوخ في ميتشيجان بفارق 19 ألف صوت فقط، رغم فوز ترامب بالولاية. ويرجح أن ذلك يعود إلى أدائه الأضعف بين اللاتينيين الذين شكّلوا 6% من الناخبين. فقد فاز روجرز بهم بفارق 11 نقطة، بينما فاز ترامب بفارق 21 نقطة، وفقاً لاستطلاعات الرأي. وأدلى اللاتينيون بنحو 334 ألف صوت في السباق، ما يعني أن ضعف أداء روجرز كلّفه نحو 33 ألف صوت، أي أكثر من فارق خسارته.
ثم هناك ولاية تكساس، حيث يعتقد الديمقراطيون أنهم قادرون على جعل هذه الولاية ساحة تنافس إذا رشح الجمهوريون المدعي العام اليميني المتشدد «كين باكستون». ففي عام 2024، شكّل اللاتينيون 26% من الناخبين، وفاز ترامب بأصواتهم بفارق 10 نقاط. أما في عام 2018، فقد فاز الديمقراطي بيتو أورورك بأصواتهم بفارق 29 نقطة عندما اقترب من هزيمة السيناتور تيد كروز. والعودة إلى تلك الأرقام - كما تشير البيانات إلى إمكانية حدوثه - ستجعل المقعد عرضةً لتحدٍ قوي من المرشح الديمقراطي «جيمس تالاريكو».
من السهل فهم سبب تراجع تأييد اللاتينيين لترامب. فسياسات إنفاذ قوانين الهجرة التي غالباً ما تُنفذ بشكل غير متقن تؤثر مباشرةً على مجتمعاتهم، نظراً لارتفاع نسبة المهاجرين غير الموثقين بينهم. كما أن اللاتينيين ينتمون بشكل كبير إلى الطبقة العاملة، ويتضررون من استمرار التضخم وتباطؤ سوق العمل وضعف نمو الأجور الحقيقية. ومن المؤكد أن الإحباط والغضب تجاه الاقتصاد والهجرة يسهمان في انخفاض معدلات تأييد ترامب بينهم.ومع ذلك، لا ينبغي للديمقراطيين أن يشعروا براحة مفرطة. فاللاتينيون لم يعودوا يرون أنفسهم ديمقراطيين كما في السابق. فقد أظهرت دراسة حديثة أجرتها مؤسسة «يوجوف» أن الفارق لصالح الديمقراطيين في انتماء اللاتينيين الحزبي انخفض من 34% عام 2007 إلى 15% عام 2025. وهذا الرقم الأخير يزيد بنقطة واحدة فقط عن عام 2024، ولا يزال أقل بكثير من الفارق البالغ 26 نقطة في عام 2020.
قد يكون الناخبون المستقلون من اللاتينيين يميلون إلى معارضة الحزب الجمهوري بزعامة ترامب هذا العام، لكن هؤلاء الناخبين لم يجددوا ولاءهم لحزبٍ اعتبره الكثيرون منهم متخلياً عنهم.
ولا يزال أمام الجمهوريين والديمقراطيين طريقٌ طويل لكسب ثقة اللاتينيين، أي في نوفمبر وما بعده. والحزب الذي ينجح في ذلك بشكل أفضل سيلعب دوراً كبيراً في تحديد ما إذا كانت انتخابات التجديد النصفي ستكون مجرد توبيخ خفيف أم رفضاً حاسماً لولاية ترامب الثانية.
*زميل بارز في مركز الأخلاقيات والسياسة العامة
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»