لقد صدق العالم منذ عقود عندما كان يطالب النظام الإيراني بتعديل سلوكه من التشدد إلى الاعتدال ومن التعنت إلى المرونة السياسية، حتى لا يقع الفأس على رأسه والقصف على إيران! ولكن إيران في لحظتها لم تنصت ولم تسمع، فهي ماضية إلى غيّها في استخدام سلاح «التشدد» بعد سلاح «الألغام» في تعنت موقفها من «مضيق هرمز»، وهو موقف إيراني متعنّت يسعى المجتمع الدولي الآن إلى تغييره، خاصة بعد الهدنة الممتدة لأسبوعين، من خلال الطرق الدبلوماسية والقانون الدولي ومساعي الوساطة. الاتفاق الأميركي مع إيران لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، مرتبط بفتح مضيق هرمز فوراً وضمان حرية الملاحة. وقبل التوصل إلى هدنة الأسبوعين، نُقل عن مصادر إيرانية قولها بأن: طهران تتمسك بالسيطرة على مضيق هرمز، وترفض مناقشة برنامجها الصاروخي، وتشترط ضمانات بعدم مهاجمتها في أي اتفاق مع واشنطن.
وخلال الأسابيع التي سبقت وقف إطلاق النار، هدد مجلس الدفاع الإيراني بقطع طرق الملاحة في الخليج عبر زرع ألغام بحرية في حال وقوع هجوم على السواحل والجزر الجنوبية لإيران، وكذلك ظهرت تقارير منسوبة لمسؤولين أميركيين، مفادها أن: إيران زرعت فعلاً 12 لغماً في مضيق هرمز.سياسات إيران الرامية إلى تعطيل وعرقلة الملاحة في مضيق هرمز تُعد نوعاً من الإرهاب الاقتصادي الذي لا يضر الإقليم فحسب، بل دول العالم أجمع، بحيث تتجاوز تداعياته أسواق الطاقة.
ارتباك الملاحة في المضيق يؤثر على جميع دول العالم، وتتجاوز تداعياته أسواق الطاقة والنفط، ليطال سلاسل الإمدادات العالمية أكثر مما نتصور. يُمثِّل تسييس هذا الممر -من خلال السلوك الإيراني- أكثر التهديدات إلحاحاً في الشرق الأوسط والعالم أجمع في الوقت الراهن، وهو ما يستوجب ضرورة التعامل معه بحيادية تامة، بعيداً عن الأزمات السياسية الأخرى، وجعل هذا المضيق يعمل وفق قواعد دولية صارمة توفّر عنصر الأمن والاستقرار المستدام.
عرقلة الملاحة في المضيق تؤدي إلى تعطّل 20% من تدفقات النفط والغاز وتقييد إيران لحركة السفن إلى اضطراب حاد في الإمدادات وارتفاع المخاطر الاقتصادية الدولية. وتُظهر المعطيات التي سبقت قرار الولايات المتحدة الأميركية تطبيق هدنة لمدة أسبوعين، تحوّل الاستراتيجية الإيرانية نحو «حصار تأميني»، إذ يكفيها شنّ ضربات متفرقة والتهديد بنشر ألغام لجعل التأمين غير مُجدٍ اقتصادياً لشركات الشحن، ما يؤدي إلى إغلاق المضيق، وفرض تحديات لقدرة واشنطن على القيام بعمليات مرافقة آمنة للسفن أثناء عبورها المضيق، في بيئة مشبعة بالمخاطر العسكرية.
و كذلك يكشف وضع مضيق هرمز عن امتداد نطاق الأزمة من الخليج إلى المحيط الهندي، إذ تدفع التحويلات القسرية للملاحة نحو طرق أطول وأضعف أمنياً إلى رفع الكلفة، وتعميق الاضطراب التجاري، وتوسيع فرص القرصنة والأنشطة غير المشروعة. إيران تسعى إلى استغلال مضيق هرمز، بحيث يشكّل في هذه المرحلة ابتزازاً مالياً واستغلالاً فاحشاً لحاجة الدول فوق مستوى الضرورة القصوى للمضيق، والمأمول أن تسفر الهدنة الحالية إلى عودة حركة الملاحة في المضيق إلى حالتها الطبيعية.. ما يثير القلق ما كشفته تقارير موثقة، من بينها ما نشرته Lloyd's List بأن إيران أنشأت منظومة لتنظيم عبور السفن في مضيق هرمز، تقوم على موافقة مسبقة وتحصيل رسوم مالية عن كل سفينة وذلك عن طريق قوات الحرس الثوري الإيراني.
وقد استخدمت بعض السفن هذه المنظومة بالفعل. هذا الواقع يثير إشكاليات قانونية جوهرية تمسّ أحد أهم مبادئ القانون الدولي، وهو مبدأ حرية الملاحة في المضائق الدولية.
وبغض النظر عن مضامين اتفاق الهدنة، فإن من الخطأ فرض رسوم مالية مقابل المرور الآمن في مضيق هرمز، فهذا لا سند له في القانون الدولي، وهو في الواقع إحدى صور القرصنة، وقد يرقى إلى مستوى الإكراه الاقتصادي لا سيما حين يقترن بتهديد ضمني أو صريح بعرقلة المرور أو تعريض السفن للخطر.
*كاتب إماراتي.