تُولي دولة الإمارات العربية المتحدة التعليمَ اهتماماً بالغاً بوصفه ركيزة أساسية لعملية التنمية وأداة لبناء اقتصاد معرفي مستدام. ولم تدّخر الدولة وسعاً في توفير مختلف أشكال الدعم اللازمة لتطوير العملية التعليمية، من خلال مبادرات واستراتيجيات مستمرة تهدف إلى إتاحة أفضل البيئات التعليمية والبرامج التي تزود الأجيال بالمهارات العلمية والعملية، وتؤهلهم للمشاركة بفاعلية في سوق العمل. وفي هذا الإطار جاء إطلاق مؤسسة صندوق المعرفة في دبي خطتها الاستراتيجية للأعوام 2026–2028، في خطوة تعكس استمرار المؤسسة في دعم تطوير منظومة التعليم عبر الاستثمار في المشاريع التعليمية وبناء الطاقات الوطنية، التي هي الركن الأساسي لمجتمع أكثر ازدهاراً وتماسكاً.
وجدير بالذكر أن مؤسسة صندوق المعرفة، في دبي، تأسست عام 2007، بتوجيه من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، بهدف المساهمة الفعّالة في تنمية رأس المال المعرفي، والاستثمار في القطاع التعليمي بكفاءة، وتعزيز بناء اقتصاد المعرفة، وتوفير بيئة الابتكار والإبداع.
وتستهدف المؤسسة، من خلال الخطة الجديدة، تسريع تخصيص الأصول التعليمية في المناطق ذات الأولوية، بما يتيح توفير أكثر من 35 ألف مقعد تعليمي جديد بحلول عام 2028، وذلك من خلال إطلاق وتوسعة مشاريع تعليمية نوعية تعزّز تنافسية القطاع وتنوّع الخيارات التعليمية في الإمارة.
وتتضمن هذه الخطة ثلاثة محاور رئيسية، تشمل تمكين المبادرات التعليمية، بما يسهم في تحسين جودة الحياة وبناء مجتمع متماسك، وتعزيز كفاءة إدارة الأصول التعليمية، وتحقيق الاستدامة المالية من خلال تنمية الإيرادات الاستثمارية الداعمة.
كما تعتزم مؤسسة صندوق المعرفة خلال دورتها الاستراتيجية الجديدة تنفيذَ مبادرات تعليمية نوعية توسّع فرص التعليم وتحسّن جودة مخرجاته، فعلى سبيل المثال، يشهد «مشروع مدارس دبي»، نمواً متسارعاً، مع توقع إضافة أكثر من ألف مقعد دراسي سنوياً، فيما يشهد «برنامج دبي للطلبة المتميزين»، جهوداً لتوسيع نطاقاته ليشمل أكثر من 20 مدرسة، مع توجّه لزيادة قاعدة المستفيدين فيه ليضم طلبةً إماراتيين من مختلف إمارات الدولة.
وفي الواقع، فإن مؤسسة صندوق المعرفة في دبي واصلت منذ تأسيسها تطوير نهج استثماري متوازن يستند إلى محفظة أصول واستثمارات استراتيجية تتجاوز قيمتها المليار درهم، مخصصة للمبادرات والمشاريع التعليمية، مع البحث المستمر في تعزيز وتنويع إمكاناتها وأدواتها الاستثمارية، وتنسجم خطتها الاستراتيجية الجديدة مع «استراتيجية دبي للتعليم 2033»، وارتباطاً بـ«مستهدفات أجندة دبي الاقتصادية D33»، و«أجندة دبي الاجتماعية 33»، بما يعكس تعاضد الجهود المؤسسية في دعم مسيرة التنمية الشاملة، وترسيخ مكانة دبي كمركز عالمي للمعرفة والتعليم.
والحاصل أن دولة الإمارات لم تألُ جهداً في العمل على بناء نظام تعليمي متطور يعتمد على الابتكار والتكنولوجيا، ويواكب المتغيرات العالمية، لتخريج كوادر وطنية قادرة على المنافسة عالمياً والإسهام في تعزيز مسيرة التنمية. وقد انعكس ذلك في العديد من المشروعات والمبادرات، مثل «رؤية الإمارات 2071»، التي تركّز على بناء نظام تعليمي متطور، من خلال دعم تدريس العلوم والتكنولوجيا المتقدمة، لا سيما في مجالات الفضاء والهندسة والابتكار والعلوم الطبية والصحية، وترسيخ القيم الأخلاقية التي تُعلي من مستوى الاحترافية والمهنية في المؤسسات التعليمية، وتتيح التركيزَ على استكشاف المواهب والطلبة المتفوقين.
لقد أصبحت دولة الإمارات تمثّل نموذجاً رائداً في عمليات تطوير قطاع التعليم، بعد نجاحها في بناء منظومة تعليمية متقدمة تعتمد على أحدث المعايير العالمية، ومواكبة التطورات المتسارعة في هذا المجال، ومن أحدثها اعتماد الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية في المناهج الدراسية، ومواكبة الثورات الصناعية، والتركيز على المهارات التقنية المتطورة مثل البرمجة والروبوتات.
تواصل دولة الإمارات ترسيخ رؤيتها للتعليم بوصفه استثماراً استراتيجياً في الإنسان ومحركاً رئيسياً للتنمية المستدامة. وفي هذا الإطار، تُمثّل الخطة الاستراتيجية الجديدة لمؤسسة صندوق المعرفة في دبي ترجمةً عملية لهذه الرؤية، عبر تسريع تطوير المشاريع التعليمية النوعية وتعزيز مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات الاقتصاد المتغير.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.