رغم العنف المفرط الذي تشهده الحروب فإن خبرة التاريخ تفيد بأنها تؤول في معظم الحالات إلى مسار التسوية السياسية. صحيح أن بعضها حُسِم بالقوة العسكرية كالحرب العالمية الثانية، وبعضها الآخر أُجْبِر فيه أحد الأطراف على قبول وقف إطلاق النار دون حلٍ للصراع، كالحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، لكن الحالة الشائعة هي أن تدرك أطراف حرب ما أن مسار التسوية أصبح هو الأفضل، إما لأنها حققت مكاسب معينة ينبغي استثمارها في تحقيق ما تبقى من أهداف، أو لأنها خسرت الكثير، وقد يفضي مسار التسوية إلى وقف نزف خسارتها، أو لأن الحرب قد كشفت عن حالة من التجمد بمعنى عدم قدرة أيٍ من طرفيها على حسم الحرب دون تكلفة هائلة.
ووفقاً للرئيس الأميركي دونالد ترامب، فإن إعلانه عن وقف إطلاق النار يوم الثلاثاء الماضي قد تم بناءً على تغيير في توجهات قادة إيران، وأن ما يقوله المسؤولون الإيرانيون في العلن لا يقولونه في الغرف المغلقة، وبناءً على ذلك أوقف تهديداته لإيران، وأعلن الثلاثاء الماضي وقفاً لإطلاق النار لأسبوعين يمكن خلالهما التوصل لتسوية، وانتعشت الآمال في وضع نهاية تفاوضية للحرب.
غير أن هذه الآمال تأرجحت بعد ذلك بين التفاؤل والتشاؤم، وكان أول مؤشرات التشاؤم هو ما بدا من تناقض تام بين العرضين الأميركي والإيراني لبدء التفاوض، فقد كان من المستحيل نجاح أي مفاوضات في ظل هذين العرضين اللذين يصلان بمطالب الطرفين إلى حدها الأقصى، وهو ما تأكد من تصريح المتحدثة باسم البيت الأبيض بأن الرئيس قد ألقى بالورقة الإيرانية في سلة المهملات، ثم حدثت مشكلة نطاق وقف إطلاق النار، وهل يشمل كل المسارات كما ادعت إيران، بحيث يتوقف القتال في الجبهة اللبنانية، وهو ما نفته مصادر البيت الأبيض.
وكان وقف إطلاق النار على هذه الجبهة شديد الأهمية لإيران، لأنه لم يكن هناك شك في أن «حزب الله» قد دخل الحرب إسناداً لها، فقد ظلّ يتلقى الضربات دون رد منذ وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في نوفمبر2024، فلما بدأ الهجوم الأخير سارع باستئناف عملياته ضدها، ولذلك كان شمول لبنان بوقف إطلاق النار شديد الأهمية لعلاقة إيران بحلفائها، وإلا كان المعنى أنها تستخدمهم لمساندتها ثم تتركهم بمجرد تحقيق أغراضها، وأعلنت إيران أنها لن تتفاوض إلا إذا امتد وقف إطلاق النار للجبهة اللبنانية، لكنها تراجعت، وإن نصح ترامب نتنياهو بالتهدئة على هذه الجبهة، كما سمحت لحزب الله بعدم التوقف عن عملياته ضد إسرائيل.
ومع بدء المفاوضات تجددت الآمال بعقد لقاءات مباشرة واجتماعات مطولة للجان، لكن الحصيلة باءت بالفشل، وهو ما يشير إلى استمرار تباعد المواقف بين الطرفين، خاصة أن الحرب أفرزت قضايا جديدة كقضية تحصيل إيران رسوماً على المرور في مضيق هرمز، وهو ما لا أساس له في القانون الدولي للبحار.
ورغم آمال البعض في أن تكون هذه مجرد جولة متعثرة تتلوها جولات، فإن الرئيس الأميركي عاد إلى لغة التصعيد، وعرضت أطراف أخرى وساطتها كالرئيس الروسي بوتين، وإن كان ترامب قد أجهض محاولته بتعليق أشار فيه إلى أن عليه أن يجد أولاً مخرجاً من حربه في أوكرانيا، وعدنا إلى ترقب أعمال التصعيد القادمة.
*أستاذ العلوم السياسية-جامعة القاهرة.