لم تكن هذه الحرب اختباراً عسكرياً فحسب، بل كانت امتحاناً أخلاقياً وسياسياً كشف معادن الدول والجماعات معاً. ففي اللحظة التي كانت فيها الصواريخ والمسيّرات الإيرانية تتجه نحو مدن الإمارات ومنشآتها، لم يكن السؤال: هل ستسقط؟ بل: مَن سيقف؟ ومن سيتكلم؟ ومَن سيلوذ بالصمت أو المواربة أو حسابات «التوازن» البارد؟
وهنا تحديداً تبدأ قصة الانتصار الإماراتي الحقيقي: انتصار لم يتحقق فقط بإسقاط المقذوفات في السماء، بل بإسقاط الأقنعة على الأرض. الثابت وفق البيانات الرسمية أن الدفاعات الجوية الإماراتية تعاملت مع 520 صاروخاً باليستياً و26 صاروخاً جوّالاً و2221 طائرة مسيّرة، منذ بدء الاعتداءات الإيرانية، وأن الحصيلة البشرية – رغم قسوة المشهد – بقيت محدودة نسبياً، مقارنةً بحجم النيران: شهيدان عسكريان، ومدني مغربي متعاقد مع القوات المسلحة، و10 مدنيين من جنسيات متعددة، و221 إصابةً. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاء، بل دليل على فاعلية منظومة الردع، وعلى أن الدولة لم تُفاجأ بالعدوان، بل كانت مستعدة له على مستوى التخطيط والتقنية والإدارة.
غير أن القراءة العميقة تقول إن إيران لم تكن تستهدف موقعاً أو منشأة، بل كانت تستهدف نموذجاً: نموذج دولة عربية الهوية الحضارية، لكنها لا تُدار بمنطق الإقصاء، دولة تجمع بين الأمن والانفتاح، بين التدين والتعدد، بين السيادة واحترام الإنسان.
ولهذا لم يكن العدوان مجرد فعل عسكري، بل كان تعبيراً عن ضيق أيديولوجي من نموذج ينجح حيث تفشل مشاريع الهيمنة، ويستقر حيث تتغذى الميليشيات على الفوضى. لكن المفاجأة الكبرى لم تكن في طبيعة العدوان، بل في طبيعة الاصطفاف الذي كشفه.
فقد ميّزت هذه الحرب بين ثلاث دوائر: دائرة الأصدقاء الحقيقيين الذين سمّوا العدوان باسمه، واستنكروا بلا مواربة، وأعلنوا الاستعداد للدعم بكل أشكاله.. ودائرة المترددين الذين تحدّثوا عن «التهدئة» قبل الإدانة، وعن «الوساطة» قبل تسمية المعتدي.. ودائرة الصمت المتواطئ، التي آثرت أن تبتلع لسانَها، أو أن تساوي بين المعتدي والمعتدَى عليه. وهنا انكشفت حقيقة مرة: ليس كل مَن جمعنا به الدين أو العروبة أو التاريخ كان في لحظة الخطر أخاً. بعضهم استنكر العدوانَ الإيراني على الخليج في صيغة عامة، لكنه تجنّب ذكر الإمارات صراحةً.
وبعضهم مارس ابتزازاً سياسياً ناعماً عبر خطاب مزدوج، وآخرون تمترسوا في المنطقة الرمادية، يرفعون راية «الوساطة» وكأنها مرتبة أعلى من قول الحقيقة. لكن الحقيقة في ميزان السياسة الرشيدة لا تُساوَم: هناك معتدٍ وهناك مُعتدَى عليه، ومَن لا يملك شجاعة تسمية الأول، لا يملك شرعية لعب دور بين الطرفين.
الأخطر من ذلك أن العدوان فضح أيضاً جماعات الإسلام السياسي التي طالما قدّمت نفسَها باعتبارها صوت الأمة. فإذا بها، عند أول اختبار حقيقي، تنحاز إلى مشروع «ولاية الفقيه»، أو تُعيد إنتاج خطابه تحت لافتة «المقاومة». وهنا يسقط القناع الأيديولوجي: حين تُقصف العواصم العربية، لا يعود ممكناً الاختباء خلف الشعارات.
فإما أن تكون مع استقرار دولك، أو مع مشروع يختزل المنطقة في ساحات نفوذ وصراع. ثم تأتي المفارقة الكبرى التي تفضح بنيةَ هذا الخطاب: في كل ما سُرّب أو نُشر عن المسار التفاوضي، لا نجد فلسطين ولا القدس ولا الأقصى في صلب المعادلة. البنود تدور حول مضيق هرمز، والعقوبات، والملاحة، والتوازنات الأمنية. أما القضية التي تُستدعى دائماً لتبرير التمدد الإيراني، فقد غابت عن طاولة التفاوض الواقعي. وهنا يبرز السؤال الصادم: كيف تتحول الصواريخ التي تسقط على الخليج إلى «نصر لفلسطين» في خطاب بعض العرب، بينما لا تظهر فلسطينُ نفسُها في بنود التفاوض؟!
أما البيان الإيراني الذي يتحدث عن «نصر تاريخي»، فهو أقرب إلى محاولة إنقاذ معنوي عبر اللغة، لا عبر الوقائع. فالمعطيات المتاحة تشير إلى هدنة مؤقتة، لا إلى اتفاق نهائي يكرّس تفوّقاً استراتيجياً حاسماً.
وبين «وقف مؤقت للنار» و«نصر تاريخي» مسافة لا يقطعها إلا خطاب دعائي منفصل عن الحسابات الواقعية. وفي المقابل، كانت الإمارات تمارس نوعاً آخر من القوة: قوة الدولة التي تعرف نفسَها. لم تنجرّ إلى خطاب الكراهية، ولم تحوّل الصراع إلى نزاع مع الشعوب، بل حافظت على تمييزها الأخلاقي بين النظام الإيراني ومجتمعه. ولم تسمح للعدوان أن يهزّ ثقتَها الداخلية، بل عزّزت التلاحم بين القيادة والشعب والمقيمين. وهنا يكمن جوهر الانتصار: أن تفشل كل هذه الصواريخ في إصابة المعنى. لقد أرادت إيران أن تضرب الأمن، فكشفت قوة الدولة.. وأرادت أن تُربك المجتمع، فكشفت تماسكه.. وأرادت أن تعزل الإمارات، فكشفت مَن يقف معها بصدق. وهكذا تحوّل العدوان إلى لحظة وعي جماعي: مَن هو الصديق؟ مَن هو الحليف؟ مَن هو المتفرِّج؟
ومَن هو المتواطئ بالصمت أو الخطاب؟ وفي النهاية، لا تُقاس قوة الدول فقط بما تملكه من سلاح، بل بما تكشفه الشدائد من معدنها. والإمارات، في هذه الجولة، لم تنتصر فقط لأنها أسقطت الصواريخ، بل لأنها أسقطت الأوهام: وَهْم الحياد الأخلاقي، وهْم الأخوّة الشكلية، ووهْم الخطابات التي ترفع القضايا الكبرى وتخذلها عند أول اختبار.
ويبقى السؤال الذي لا يمكن تأجيله: مَن سيُعيد تعريف معنى التحالف بعد أن انكشف كل شيء؟ ومَنْ يملك شجاعة مراجعة خطاب ظل يخلط بين الشعارات والحقائق؟ وأي مستقبل ينتظر منطقة لا تزال بعض نُخبها تخاف من تسمية العدوان باسمه؟َ
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة