في أكتوبر 2000، أثناء خدمتي في سان دييجو، وصلتني بطاقةُ اقتراع غيابي من ولايتِي، كارولاينا الشمالية، قبل أسابيع قليلة من الانتخابات الرئاسية. لكن لكي يُحتسب صوتي، كان عليّ إيجاد شاهدين ليشهدا لي بتعبئة البطاقة ويوقِّعا عليها للتحقق منها. لم أكن أرغب في إقحام السياسة في وحدتي، فانتظرت. بعد أيام، هاجم إرهابيون المدمرةَ الأميركية «يو إس إس كول» قبالة سواحل اليمن. وفي أسبوع الانتخابات، أُبحرتْ سفينتي إلى الخليج العربي.
وبحلول عيد الشكر، ومع بقاء نتائج الانتخابات عالقةً في إعادة فرز الأصوات في فلوريدا، كنا نتجه نحو صراع دون أن نعرف أوامر مَن سنتبع، وكان صوتي الوحيد في هذا الأمر عبارة عن بطاقة اقتراع فارغة تُركت في درج سيارتي، في الولايات المتحدة.
وفي الشهر الماضي، أرسل الرئيس دونالد ترامب بطاقةَ اقتراعه الغيابي في فلوريدا عبر البريد من منتجعه في بالم بيتش. وكان ترامب قد بدأ مؤخراً بإعطاء تصريحات لمسؤولي إنفاذ القانون، مفادها أن «التصويت بالبريد يعني الغش».
لكن في اليوم التالي، تم احتساب بطاقة اقتراعه البريدية في انتخابات فرعية لشغل مقعد في المجلس التشريعي للولاية. وعندما واجهه أحد الصحفيين بهذا التناقض، أجاب ترامب: «كما تعلمون، فالسبب أنني رئيس الولايات المتحدة». وفي محاولة لتوضيح استخدامه للتصويت الغيابي، قال ترامب إن سياسته المقترحة، والموضحة في «قانون إنقاذ أميركا» المعروض حالياً على مجلس الشيوخ، تسمح ببعض الاستثناءات للتصويت عبر البريد، مثل الناخبين ذوي الإعاقة، أو العسكريين، أو المسافرين لفترات طويلة لأغراض العمل، لكن أياً من هذه الاستثناءات لا ينطبق على ترامب في هذه الانتخابات. وكما ذكرت صحيفة «واشنطن بوست»، فقد كان الرئيس في بالم بيتش في مارس خلال فترة التصويت المبكّر. لكنه برّر استثناء نفسه بالانشغال الشديد، وأرسل طلبَه بالبريد. 
وترامب هو أيضاً القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويُعلن الحربَ بنفس الطريقة التي يُصوّت بها: متى شاء، من منتجع مارالاجو، ودون تقديم أي تفسير مُفصّل. فقد أعلن بدء العمليات القتالية ضد إيران عبر فيديو مُسجّل مُسبقاً من ناديه الخاص، وكانت هذه المرة الأولى التي يَعلم فيها جزءٌ كبير من الكونجرس والشعب الأميركي ومعظم أفراد الجيش بالأمر. 
إن سهولة استخدام الجيش والديمقراطية لتحقيق مكاسب سياسية تُضعف الثقة بهما، وتُصوّرهما كأدوات لتحقيق أهداف حزبية، بدلاً من كونهما مؤسسات وطنية تُعزّز الأمةَ. فالنُّخب السياسية والاقتصادية في مأمن إلى حدٍّ كبير من التداعيات، بينما يشعر عامة الناس بضغوط الديمقراطية أكثر من تضحيات الحرب. لكن يُترك أفراد الخدمة العسكرية يدفعون ثمن أفعالهم مرتين، مرة في الحرب ومرة ​​في صناديق الاقتراع، مع وجود كونجرس متقاعس عن مسؤوليته في حماية مصالحهم.
وهذا لا يحدث بالصدفة أو من تلقاء نفسه، ففي كتاب «انحنِ ولكن لا تنكسر»، الذي يتناول القوات المسلحة، يجادل باحثون في العلاقات المدنية العسكرية بأن إلغاء التجنيد الإجباري، والتقدم التكنولوجي، وتغلغل التحزب.. عوامل زادت الفجوة بين الجيش والشعب والمسؤولين المنتخبين. كما أن استخدام القادة المدنيين الجيشَ لتحقيق مكاسب سياسية يُخلّ بالمعايير الديمقراطية للقوات المسلحة غير المسيسة. وتُسهّل العملياتُ الدقيقة التي تقوم بها قوات العمليات الخاصة، والقدرة على شنّ الحروب عن بُعد، استخدامَ القوة، مما قد يُشجع على المغامرة.
وسط هذه الصراعات السياسية، يجد العسكريون وعائلاتُهم أنفسَهم عالقين في المنتصف، يحاولون التأقلم مع الحياة العسكرية. ولا تزال المؤسسة العسكرية واحدة من أكثر مؤسسات البلاد تنوعاً سياسياً وعرقياً وجغرافياً. لكنّ عدداً أقل من الأميركيين اليوم تربطهم صلةُ قرابة بأحد أفراد الجيش. وفي عام 2024، أشار وزير الدفاع إلى أن أكثر من 80% من المجندين ينتمون إلى عائلات عسكرية. 
مع أن حق العسكريين في التصويت ليس أقدس من أي حق آخر، إلا أن خدمتهم العسكرية تُعدّ استحقاقاً مميزاً لهذا الحق. وينبغي أن يكون الإدلاء بأصواتهم أسهل بالنسبة لهم مما هو عليه بالنسبة للقائد الأعلى.
 وفي أكتوبر 2008، كنتُ داخل الولايات المتحدة، لكنني كنتُ متمركزاً على بُعد 700 ميل من ولايتي بعد بضع سنوات قضيتها في الخارج، عندما استلمتُ بطاقةَ اقتراع غيابي. كان شرط وجود شاهدين لا يزال سارياً، وكان يجب استلام بطاقات الاقتراع في موعد أقصاه يوم الانتخابات، دون أي أعذار. كان الأمر مُرهقاً، لكنني أخيراً أدليتُ بصوتي، للمرة الأولى.
يبدو أن ترامب مُصرّ على جعل التصويت الغيابي مُرهقاً للجميع. فالشروط التقييدية لقانون «إنقاذ أميركا»، وتشكيك المحكمة العليا في القوانين التي تسمح بوصول بطاقات الاقتراع متأخرة، وقواعد الولايات المُتغيرة باستمرار.. كل ذلك يعني أن التصويت لن يكون بنفس سهولة التصويت للعسكريين، كما هو الحال بالنسبة للسياسيين الذين يدّعون امتيازات خاصة. 
الجيش والديمقراطية يعتمدان كلياً على المتطوعين. وتعتمد رفاهية الأمة على اختيار الأفراد للمشاركة الفعّالة في كلا الأمرين، وهو ما تزداد احتماليته عندما تحظى هذه المؤسسات بثقة الجمهور ومشاركته، ويقودها قادةٌ ذوو مبادئ يُحتذى بهم.


 
 *ضابط متقاعد يكتب عن قضايا العرق والديمقراطية والهوية الأميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»