في سياق ترسيخ نهجها القائم على الشراكة والتكامل بين مختلف القطاعات، تواصل إمارة أبوظبي تعزيز حضورها في مجال التنمية المجتمعية المستدامة، عبر إطلاق المزيد من المبادرات النوعية التي تستجيب للأولويات الاجتماعية. وفي هذا الإطار، تأتي اتفاقية الشراكة الممتدة لثلاثة أعوام بين مجلس التوازن للتمكين الدفاعي- توازن وهيئة المساهمات المجتمعية- معاً، كخطوة استراتيجية تهدف إلى توحيد الجهود بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني، وإطلاق برامج مبتكرة تسهم في الارتقاء بجودة الحياة، وتدعم تحقيق أهداف التنمية طويلة المدى في الإمارة. وتنبع أهمية هذه الخطوة من كون تلك الاتفاقية تشكّل إطاراً متكاملًا لتعزيز التنسيق المستمر بين الجهات المعنية، بما يسهم في تحديد أولويات المشاريع المجتمعية بكفاءة وشفافية، ومتابعة تنفيذها وفق مؤشرات أداء واضحة، وضمان تطبيق أفضل ممارسات الحوكمة وإعداد التقارير الدورية، بما ينسجم مع الأجندة الاستراتيجية للقطاع الاجتماعي في إمارة أبوظبي، ويعزّز جودة الحياة ويحقق أثراً مجتمعياً ملموساً طويل الأمد.
والحاصل أن المبادرات المجتمعية تُعد أداةً استراتيجيةً أساسية لتعزيز رأس المال الاجتماعي، بما يدعم الاستقرار والازدهار، في سياق النمو الديموغرافي والتنوع الثقافي في إمارة أبوظبي، إذ لا يقتصر دورها على تقوية الروابط بين المواطنين والمقيمين، بل يمتد ليشمل دعم مسارات التنمية المستدامة، انسجاماً مع أهداف الأمم المتحدة، خصوصاً في مجال تحسين جودة الحياة. وتُفهم هذه المبادرات بوصفها جهوداً منظمة يشارك فيها القطاع الحكومي والخاص والمجتمع المدني لمعالجة القضايا الاجتماعية، وترسيخ قيم التطوع والعطاء، وتمكين الأفراد كشركاء فاعلين في التنمية المجتمعية. وتُولي دولة الإمارات، اهتماماً استثنائياً لتعزيز دور الأسرة والتلاحم المجتمعي وتعزيز رأس المال البشري، مدعوماً برؤية القيادة الرشيدة التي ترى في الأسرة النواة الأساسية للتقدم. وتبذل دائرةُ تنمية المجتمع في أبوظبي العديدَ من الجهود في هذا المجال، من خلال مبادرات نوعية عدة، أبرزها مبادرة «مِديم» التي نجحت في زيادة عقود الزواج بنسبة تزيد على 16% وتقليل تكاليف الأعراس بنحو 41%، مما يُعزّز الاستقرارَ الأُسري ويقلّل الضغوط الاقتصادية على الشباب المقبلين على الزواج.
وفي إطار «عام المجتمع 2025»، شهدت أبوظبي دفعة غير مسبوقة للعمل التطوعي، وفي «عام الأسرة 2026» يتعزز هذا الزخم من خلال مبادرات مثل «اليَفنَة» التي أطلقتها وزارةُ تمكين المجتمع في رمضان لإحياء ثقافة الاجتماع في الأحياء، ومبادرة «تنبض بأهلها» التي أطلقت أولى محطاتها في حديقة العامرة (أبريل 2026)، والتي تهدف إلى تحويل المساحات العامة إلى منصات إبداعية يقودها الأطفال والشباب عبر منصتَي «من بيتنا» (للأطفال 3-8 سنوات) و«الروّاد» (للشباب 9-21 عاماً)، مما يعزّز التماسكَ الأُسري والمشاركةَ المجتمعيةَ من القاعدة.
ومن جانبها، خصصت هيئة المساهمات المجتمعية «معاً»، أكثر من 220 مليون درهم في عام 2025 لدعم 83 مشروعاً اجتماعياً وصحياً وبيئياً، استفاد منها أكثر من 42 ألف فرد. وفي السياق نفسه، وصل إجمالي قيمة المساهمات المجتمعية لبلدية مدينة أبوظبي في عام 2025 إلى نحو 8 ملايين درهم، كما بلغ عددُ مبادرات المسؤولية المجتمعية التي تم تنفيذها 255 مبادرة، بمشاركة 151 شريكاً من مختلف الجهات.
وفي الواقع، فإن هذه المبادرات تتجاوز الجانب الاجتماعي لتشمل التمكين الاقتصادي (مثل دعم روّاد الأعمال مِن الأسر الإماراتية) والابتكار (برامج الذكاء الاصطناعي في المجالس المجتمعية)، مع شراكات قوية في المسؤولية الاجتماعية للشركات. ولهذه الجهود الكثير من النتائج الإيجابية، ومنها تعزيز التماسك في المجتمع، ورفع مؤشرات جودة الحياة كما أظهرت استطلاعات دائرة تنمية المجتمع الأخيرة. كما أنها تساهم في ترسيخ الهوية الوطنية وقيم التسامح والعطاء، مما يعزّز صورةَ الإمارات كمركز للابتكار الاجتماعي.
تُمثّل المبادرات المجتمعية في أبوظبي نموذجاً عالمياً رائداً في تحقيق التنمية الإنسانية المتوازنة. ومع استمرار الشراكات وتعزيز الابتكار، تواصل أبوظبي ترسيخَ مكانتها كإمارة سبّاقة في بناء مجتمع متماسك ومزدهر، يجسّد رؤية دولة الإمارات في الازدهار والتكافل المستدام للأجيال القادمة. ويعكس ذلك استثماراً استراتيجياً طويل الأمد في مستقبل أكثر تماسكاً واستدامةً، يقوم على تمكين الإنسان وتعزيز جودة الحياة.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.