لجأ مرشح رئاسة الاحتياطي الفيدرالي «كيفن وارش» إلى أسطورة «المايسترو» آلان جرينسبان لتقديم مبرر منطقي فكري للامتثال لمطالب الرئيس دونالد ترامب بخفض أسعار الفائدة. لكن بزعمه أنه قادر على خفض الفوائد بناءً على أدلة قصصية، فإن «وارش» يستخلص الدروس الخاطئة من فترة جرينسبان الذي ترأّس بنك الاحتياطي الفيدرالي خلال الفترة من 1987 إلى 2006.
لقد أصبحت السياسة النقدية التي اتبعها جرينسبان أثناء اعتماد الاقتصاد على أجهزة الكمبيوتر والإنترنت مادةً للأساطير. في سبتمبر 1996، انخفضت البطالة إلى ما يزيد قليلاً على 5 بالمئة -وهو رقم غير ملحوظ الآن، لكنه كان آنذاك قريباً من أدنى مستوى له منذ 20 عاماً- وكان التضخم منخفضاً ومتراجعاً. بالنسبة لصانعي السياسة النقدية في اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة ومستشاريهم، بدا الوضع جيداً لدرجة لا يمكن معها الاستمرار، خاصة مع الارتفاع الحاد في الأجور. وكانوا يعتقدون أن الاقتصاد على شفا التعرض لنوبة تضخم، كما حدث عندما كانت البطالة منخفضة بالقدر نفسه في الماضي، وأرادوا رفع أسعار الفائدة كخطوة استباقية.
لكن جرينسبان خالف هذا الإجماع. بينما كان الجميع في الغرفة يرون اقتصاداً يعاني، قال إن الحوسبة كانت تقود طفرة في الإنتاجية تعمل في الوقت نفسه على خفض التضخم ورفع المعدل الذي يمكن للاقتصاد أن ينمو به دون التعرض لمشكلات.
ورغم أن هذه القصة لم تكن مرئية في البيانات الإجمالية -إذ لاحظ أحد أعضاء اللجنة أن «بصيرة الرئيس واجهت جمهوراً غير متفاعل»- فإن جرينسبان كان واثقاً من تحليله. في اجتماع تلو الآخر، أقنع اللجنة بالامتناع عن رفع أسعار الفائدة، مما سمح للبطالة والتضخم بالتراجع معاً. وفي واحدة من أعظم الإنجازات في تاريخ البنوك المركزية، رأى جرينسبان مكاسب الإنتاجية من ثورة الكمبيوتر قبل سنوات على ظهورها في الإحصاءات.
كيف فعل جرينسبان ذلك؟ بحسب رواية «وارش»، من خلال محادثات جرينسبان مع رجال الأعمال وفهمه «الحدسي» للاقتصاد. وكقبطان يقرأ تيارات البحر، اعتقد جرينسبان «بناءً على حكايات وبيانات غامضة نوعاً ما، أننا لسنا في موقف يستدعي رفع الفوائد لأن موجة التكنولوجيا هذه ستكون سبباً في انكماش هيكلي.. ونتيجة لذلك، حصلنا على اقتصاد أقوى».
لقد أوضح ترامب أنه اختار وارش لأنه يعتبره حليفاً في رغبته بخفض أسعار الفائدة، وفي معرض تبرير قدرته على الخفض، يلجأ «وارش» كثيراً إلى جرينسبان. على غرار عصر جرينسبان، قال «وارش» إن الذكاء الاصطناعي سيُحدث «موجة تعزيز الإنتاجية الأكبر في حياتنا»، مما سيخفض التضخم ويتيح مجالاً للاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة. وكما قال لرئيسة شركة التكنولوجيا سادي خان، فإن الدرس المستفاد هو أنه «في الأوقات العصيبة، وعند نقاط التحول، إذا كانت لديك مجموعة بيانات تخبرك بشيء ما ومجموعة حكايات تخبرك بشيء معاكس، فاستمع إلى الحكايات».
قال «وارش» في عام 2016 إن «الاعتماد على البيانات» قد يكون من بين «أخطر الكلمات في إدارة السياسة النقدية». كما جادل بأن صانعي السياسة النقدية «سيضطرون إلى المراهنة» بدلاً من «انتظار بيانات متأخرة من حسابات وطنية عفا عليها الزمن». وهذه قراءة خاطئة وخطيرة لأسطورة جرينسبان، الذي كان تفوقه نابعاً من عقود عمله كمستشار اقتصادي، طور خلالها، على حد تعبير كاتب سيرته سيباستيان مالابي، «معرفة دقيقة وغالباً خاصة بالاقتصاد الأميركي». لقد تعمّق في البيانات أكثر من أي شخص آخر - فاهماً دقائقها وقيودها وطريقة بنائها. لقد أقر بأن بيانات الإنتاجية كانت «رديئة»، لكن حله لم يكن الاعتماد على الحدس أو الحكايات. وبدلاً من ذلك، كما شرح «دون كوهن»، كبير مستشاري جرينسبان آنذاك، فإن «حدس جرينسبان كان مدعوماً بالحفر والتنقيب للوصول إلى أشياء لم يجدها الآخرون».
قام جرينسبان بتفكيك بيانات الإنتاجية حسب القطاعات. لاحظ أن الإنتاجية كانت تزدهر في القطاعات التي تقاس فيها معدلات الإنتاجية بشكل أفضل، وتبدو وكأنها تنهار في قطاعات أخرى حيث يكون القياس أكثر عرضة لعدم الدقة. لم يكن هذا منطقياً، وأشار إلى أن سوء القياس هو التفسير لسبب ازدهار سوق العمل دون تضخم. لقد كانت البيانات -وليس هيبته أو منصبه كرئيس- هي ما أقنع بقية أعضاء اللجنة الفيدرالية بالإبقاء على الفوائد مستقرة. كما قالت جانيت إل. يلين، التي كانت عضواً في مجلس الاحتياطي الفيدرالي آنذاك: «قام جرينسبان بقدر هائل من البحث بنفسه. لقد حاول حقاً بناء القضية باستخدام الكثير من البيانات الاقتصادية».
إن المراهنة على السياسة النقدية بناءً على الحكايات هي وصفة لكارثة. يميل الناس بشكل منهجي إلى تضخيم القصص الجذابة، وحكايات التكنولوجيا التحويلية مغرية بشكل خاص. لكن من المستحيل تقريباً التنبؤ بمتى أو بمدى قوة تأثير التكنولوجيا الجديدة على الاقتصاد. تبقى البيانات، حتى لو كانت مشوشة وغير كاملة، أفضل إشارة متاحة.قد تكون حكايات «وارش» صحيحة، لكنها قد تكون خاطئة أيضاً - والمراهنة على السياسة النقدية بناءً على حدسه قد تكون كارثية. لكي يحذو حذو جرينسبان، لا ينبغي لوارش أن يتجاهل البيانات، بل إن يبذل الجهد لتعلم أسرارها.
* أستاذ مشارك في الاقتصاد بجامعة بوسطن.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»