في ليلة رأس السنة عام 1977، أشاد الرئيس الأميركي الراحل جيمي كارتر بإيران بوصفها «جزيرة استقرار»، وأثنى على الشاه لما يكنّه له شعبه من محبة. وبعد أكثر من أسبوعٍ اندلعت احتجاجاتٌ جماهيريةٌ واسعةٌ أجبرت الشاه على التنحي.
وفي عام 1978، اقترح السفير الأميركي ويليام سوليفان أن آية الله روح الله الخميني، المهندس الوحشي للثورة الإسلامية عام 1979، «قد يتخذ موقفاً شبيهاً بموقف غاندي». كما قال أندرو يونج، سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، في أوائل عام 1979 إن الخميني «سيكون نوعاً ما قديساً».
وها نحن ذا، مرة أخرى، ندخل في مأزق مع إيران، ويبدو أننا في خضم ذلك قد عززنا، دون قصد، القوى الأكثر خطورة وتطرفاً في ذلك البلد. صحيح أن الرئيس دونالد ترامب محق في قوله إننا أضعفنا بشكل كبير القوات الجوية والبحرية وأنظمة الصواريخ الإيرانية، لكن إيران حاولت اكتساب نفوذ من خلال سيطرتها على مضيق هرمز. ومن النتائج الغريبة للحرب أن إيران تجني الآن ما يقارب ضعف عائدات النفط اليومية التي كانت تجنيها قبل الحرب، ويعود ذلك جزئياً إلى ارتفاع أسعار النفط، وفقاً لمجلة الإيكونوميست.
من الجيد أن يتحدث ترامب عن إنهاء حربه في إيران، إذ قال: «سنغادر قريباً جداً». لكن المشكلة تكمن في أنه بينما يستطيع بدء الحرب، لا يستطيع إنهاءها بمفرده. بات ترامب أقلّ تحمساً بشأن الاستيلاء على جزيرة خارك، لكنه لا يزال يُبقي على خيارات التصعيد، ويُطلق تصريحاتٍ مُبالغ فيها حول قصف إيران «لإعادتها إلى العصر الحجري». هل يُدرك ترامب أن أولاً استهداف البنية التحتية المدنية يُعدّ جريمة حرب، وثانياً أن ردّ إيران على مثل هذه الهجمات قد يكون شنّ ضربات مضادة على منشآت النفط والغاز في المنطقة؟
إذا ترك ترامب إيران تسيطر على مضيق هرمز، وتفرض رسوماً باهظة على المرور، وتمنع عبور السفن المرتبطة بالولايات المتحدة أو شركائها العسكريين، فسيكون قد ألحق ضرراً كبيراً بالاقتصاد العالمي.
ولعل الوصف الأدق لسياسة ترامب تجاه إيران هو «متاهة غير متماسكة» - وهو التعبير الذي استخدمه «بيت هيجسيث» عام 2016 لوصف السياسة الخارجية لباراك أوباما. فقد تاه ترامب في متاهته الخاصة، فمنح إيران تخفيفاً للعقوبات بينما كان يقصفها.
خلال الحرب تم اغتيال علي خامنئي، وهو رجل ثمانيني، وأيضاً علي لاريجاني أحد كبار مساعديه الأمنيين. فكلا الرجلين، رغم مسؤوليتهما عن عدد لا يحصى من الوفيات، كانا يُعتبران داخل النظام الإيراني أكثر براجماتية وحذراً نسبياً، أما من خلفهما فيبدون أكثر عدوانية.
لكن لو توفي خامنئي طبيعياً، لكانت فرص نجله المتشدد مجتبى في خلافته ضئيلة. وبدلاً من ذلك، كان من الممكن أن يخلفه شخص مثل حسن الخميني أو حسن روحاني، وكلاهما يُنظر إليهما على أنهما أكثر انفتاحاً نسبياً على التغيير.
والقيادة الجديدة في إيران تميل بشكل أكبر نحو الحرس الثوري، ما يعني أننا قد نشهد توجهاً أكثر عسكرية في إيران. وهذا هو مصدر قلقي: لقد وضعنا إيران على مسار قد يحولها إلى كوريا شمالية أخرى، أي دولةً تُدار بشكل أقل من قِبل رجال الدين وبشكل أكبر من قِبل الجنرالات، الذين يبدو أنهم أكثر قمعاً وأكثر تصميماً على امتلاك أسلحة نووية. وإذا انسحب ترامب من هذه الحرب من دون اتفاق سلام -وبالتالي من دون تفتيش نووي أو قيود على تخصيب اليورانيوم- فأخشى أن تمتلك إيران أسلحة نووية خلال السنوات الخمس المقبلة.
وكانت أجهزة الاستخبارات الأميركية قد قدّرت العام الماضي أن المرشد الأعلى السابق، كان يدعم تخصيب اليورانيوم، لكنه لم يوافق على الانتقال إلى تصنيع أسلحة نووية، على ما يبدو لأنه أراد تجنب العقوبات والعزلة، التي عانت منها كوريا الشمالية. لكن القيادة الإيرانية الجديدة قد ترى في هذا التردد خطأ تاريخياً، وتفضل نموذج كوريا الشمالية: فقد أدى تخصيب إيران لليورانيوم إلى العقوبات والحرب على أي حال، من دون الردع والاحترام القسري اللذين يأتيان مع امتلاك ترسانة نووية فعلية. فلا أحد يغامر بالعبث مع كوريا الشمالية.
في الواقع، خلُص بعض مسؤولي الاستخبارات الأميركية أنفسهم العام الماضي إلى أن «القادة الإيرانيين كانوا على الأرجح سيتجهون نحو إنتاج قنبلة نووية، إذا هاجم الجيش الأميركي موقع فوردو لتخصيب اليورانيوم، أو إذا قتلت إسرائيل المرشد الأعلى لإيران»، كما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز آنذاك. وقد فعل ترامب ونظيره الإسرائيلي، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، كلا الأمرين.
وربما يكون الخاسر الأكبر هم الإيرانيون العاديون. كانت احتجاجاتهم المؤيدة للديمقراطية في يناير الماضي، والمجازر التي تلتها، هي التي أدت بشكل غير مباشر إلى هذه الأزمة، وهم الآن يعانون من قمع أشد في بلد مُدمَّر بالقصف، بينما ينوحون على ضحايا الحرب الأبرياء.
إن أفضل الخيارات لإنهاء هذه الحرب هو محاولة التفاوض على اتفاق سلام مع إيران، بالاستناد إلى خطة السلام البنّاءة ذات النقاط الخمس التي طرحتها الصين وباكستان. لكن يبدو أن إيران تعتقد أنها تملك زمام المبادرة، وستكون المفاوضات صعبة.
* صحفي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»