أعطت الحرب التي اندلعت على مدى الأسابيع الماضية في منطقة الخليج العربي، إثباتاً آخر، أو لنقل إنها قدمت دليلاً بالغ الأهمية على صلابة الأوضاع التنموية لدول مجلس التعاون الخليجي، وذلك إذا ما أردنا إجراء مقارنة بين أوضاع الدول الواقعة في هذه المنطقة ككل. وهنا نلاحظ بوضوح تام وجود تباين صارخ بين مسارات التنمية في دول الخليج العربية وبعض الدول الأخرى التي اختارت طريق التسلح وسياسة العسكرة على حساب تنمية اقتصادها ورفاهية شعبها. وما من شك في أن هذا التباين يعكس فلسفتين مختلفتين تمام الاختلاف في إدارة الدول وتسيير الثروات الوطنية.
لقد انصب اهتمام دول الخليج العربية خلال رحلتها التنموية منذ خمسينيات القرن الماضي، أي منذ اكتشاف النفط وانطلاق عمليات استخراجه في بلدانها، على إيجاد أفضل المقاربات والسياسات من أجل تحويل عائدات «الذهب الأسود» إلى مشاريع تنموية طموحة تحقق الازدهار والرفاه. وقبل أقل من قرن من الآن كانت مدن هذه البلدان في معظمها مجرد موانئ صغيرة للصيد وتجارة اللؤلؤ، لكنها أصبحت اليوم مراكز مالية عالمية كبرى ووجهات سياحية رائدة عالمياً. وحققت دول الخليج العربية خلال العقود الماضية الأخيرة قفزاتٍ تنمويةً استثنائية لا مثيل لها في المنطقة والعالم، حيث أنشأت بنيةً تحتية عاليةَ المستوى، وأقامت مدناً حديثة بمقاييس عالمية رفيعة للغاية، وطورت قطاعاتٍ متنوعةً تشمل السياحة والتمويل واللوجستيات والتعليم والبحث العلمي.
وعلى سبيل المثال، فقد تحولت دبي من اقتصاد يعتمد على النفط بنسبة تقترب من 100% إلى اقتصاد متنوع شديد الحيوية لا يتجاوز فيه مساهمة النفط أرقاماً نسبية طفيفة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنةً بدول ظل اعتمادها الكامل على النفط وعائداته. وهكذا فقد ركزت دول الخليج العربية على الاستثمار في رأس المال البشري، حيث أنشأت جامعات عالية المستوى، ومؤسسات بحثية متطورة، كما استضافت فروعاً لأفضل الجامعات الغربية وأعلاها تصنيفاً.
وعملت هذه الدول على توفير أفضل الخدمات التعليمية والصحية لمواطنيها والمقيمين فيها، ورفعت مستويات المعيشة إلى حدود قياسية عالية جداً. وفي الوقت ذاتها فقد أطلقت رؤى تنموية طموحة، مثل «رؤية السعودية 2030»، و«نحن الإمارات 2031»، و«رؤية عُمان 2040»، و«رؤية الكويت 2035»، و«رؤية قطر الوطنية 2030»، و«رؤية البحرين الاقتصادية 2030». وتهدف هذه الرؤى إلى تنويع الاقتصادات وتقليل الاعتماد على النفط، والاستعداد لمرحلة ما بعد البترول والغاز.
لكن في المقابل، هناك دول اختارت مساراً مغايراً بشكل كلي، حيث أولت كل اهتمامها لامتلاك الأسلحة التقليدية والنووية والقدرات الصاروخية.. وبطبيعة الحال فقد كان ذلك على حساب التنمية الاقتصادية والاجتماعية في هذه الدول. وقد أدى هذا التوجه إلى استنزاف مقدرات شعوبها وإهدار ثرواتها في سبيل تحقيق الهيمنة والنفوذ وتوسيع تدخلاتها في الشؤون الداخلية لدول أخرى.
وكما نعلم فإن كل الدراسات الاستراتيجية تجمع على أن الإنفاق العسكري المفرط يمثل عائقاً رئيسياً أمام الدول في سبيل تحقيق أهداف التنمية المستدامة. وهكذا نلاحظ كيف أدى تركيز بعض الدول على التسلح إلى دفع ملايين الأشخاص من مواطنيها إلى ما دون خط الفقر، وذلك لأن انهماك هذه الدول في المغامرات والمواجهات العسكرية جعلها تهمل قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والبنية التحتية الأساسية، مما جعل شعوبَها تعيش حياةَ فقر ومعاناة وبؤس.
وقد أظهرت الدراسات أن 80% من أفقر 20 دولة في العالم عانت من حروب طاحنة خلال 15 عاماً الماضية، وأن 9 من أصل 10 دول ذات أعلى معدلات وفيات في صفوف الأطفال عانت من صراعات مسلحة. وتأكيداً للقاعدة التاريخية الثابتة، فإن دخول الدول في مغامرات لا طائل من ورائها ليس له من نتائج إلا الدمار والخراب والتخلف والفقر لشعوبها.
*كاتب كويتي