التاريخ موجاتٌ متلاحقةٌ من الأحداث التي تشترك فيها عوامل عديدة، وفي أحداث التاريخ المشرق الناصع، وفيها المؤلم الدَّامي، وليس هناك وطنٌ أو شعبٌ أو دولةٌ إلاَّ ومرّت بهذه الأحداث حُلوها ومرِّها، وبالأحداث الكبرى والنجاح فيها تسجل الأوطان اسمها في ديوان التاريخ الناصع المستمر. وإنَّ هذا الوطن الغالي، دولة الإمارات العربية المتحدة منذ أن قامت -بل وفي بعدها التاريخي الضارب في القرون الخوالي- قد سجَّلت صفحاتِ مجدٍ مشرقٍ في كتاب التاريخ العربي والإسلامي والعالمي، حتى غدت مهوى القلوب، ومحطَّ أنظار الباحثين والحالمين بالجمال والتفوُّق والطمأنينة والسكنية. 

تعرضنا لعدوانٍ غاشمٍ واعتداءٍ أثيمٍ من جارٍ له بعدٌ أيديولوجي، أقام وجوده وحاضره ومستقبله على هذا البعد الأيديولوجي الذي يرانا به على الدَّوام بنظرةٍ حولاء لا تعرف الاستقامة ولا الوفاء، وكان يتحيَّن الفرص المرَّة تلو الأخرى، لفرض أيديولوجياته التي ألبسها لبوس الدين، لكن هذا الوطن وقائده صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، الذي آتاه الله الحكمة وبعد النظر، كان منذ عقودٍ يعرف مقاصد هذا الجار ومراميه الخبيثة واستعد لهذا اليوم وأمثاله، برؤية القائد المحنَّك الذي خَبَر الحياةَ في كلّ أحوالها، وعرف حاجاتها ومتطلباتها في السِّلم والحرب، والسَّهل والصَّعب، وها هي الأيام تُثبت صواب حكمته وسداد قوله وفعله.

لقد مرَّ أكثر من شهرٌ في حربٍ ضروسٍ قد استُعملت فيها أحدث التكنولوجيا العسكرية، والأسلحة الفتَّاكة بكلّ أنواعها في البرِّ والبحر والجوِّ، وآخر ما أنتجته العقول من التواصل السيبراني، وموجات الأثير. لم يدَّخر العدو الغادر شيئاً من إمكانياته في الاعتداء، ولكنه لم يَنل من هذا الوطن ذرةً مما كان يحلم به، بل إنَّ القائد الفذَّ صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد الذي عرف ساحات المعارك يُسطّر اليوم صفحةً مشرقةً غرَّاء في تاريخ هذا الوطن المجيد، ويضع للأجيال القادمة مثلاً أعلى في معاني العزيمة وقوة الإرادة والصبر وحب الوطن، وها هم أبناؤه الذين سهر على تكوينهم وتدريبهم طيلة عقودٍ من الزمن، يُثبتون اليوم جدارتهم ويبرزون المعنى النَّبيل الذي أراده منهم قائدهم حفظه الله، وهم بالمرصاد لهذا العدوان الأثيم، فلا يتزحزحون لأنهم كالجبال الرَّواسي، فهم طوع إشارة القائد الفذِّ حفظه الله الذي يُسطِّر اليوم هذه الصفحة الفريدة في تاريخ الحروب قديمها وحديثها، لتكون نبراساً يهتدي به القادة، وتنسج على منواله الشعوب.

إنَّ الحروب هي أخطر ما يهدِّد الأمن والاستقرار، ويعطِّل الحياة الاجتماعية في كل نواحيها، تجارةً وصناعةً، وتعليماً وتواصلاً بين الناس، وإنَّ القائد الفذَّ صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، حفظه الله، وهو يبرز هذه الصفحة الناصعة للعالم من ربوع هذا الوطن يجعل هذا الوطن في هذه الظروف أمناً وأماناً لكل من يعيش على أرضه، ويقول للناس: «إنَّنا واحة الأمن والأمان» لا فرق عندنا بين السِّلم والحرب، ففي السِّلم كل واحدٍ يقوم بدوره، وفي الحرب كل واحدٍ يستمر في ما كان فيه، ففي شواطئنا الممتدَّة الهادئة رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه بالذَّود عن الحمى وردع كل معتدٍ أثيمٍ، وفي مدننا الأمن والأمان، وكل واحدٍ يقوم بعمله، فالحياة مستقرَّةٌ على طبيعتها بأسواقها ومتاجرها وأعمالها، وهذه الصفحة في تاريخ الحروب لم تكن قبل اليوم إلا في هذا الوطن المبارك في ظل قائده الحكيم الشيخ محمد بن زايد، وهو ينتقل على الدَّوام بين أطياف هذا المجتمع ومكوناته، ويلتقيهم في الأسواق والمتاجر والإدارات والمعامل والمعاهد العلمية والجامعات، كعادته حفظه الله في أيام السِّلم، ويبعث في نفوسهم روح العزَّة والإباء، فيزدادون بكلماته النَّيرة حفظه الله حماسةً وولاءً، وهذا شيء بارز في هذه الصفحة المشرقة التي يقدمها هذا الوطن، ولقد سجل في أسطرها أنّ كثيراً من المقيمين أبوا الاستجابة لدولهم وهي بعيدة جداً عن هذه الحرب بالعودة إلى أوطانهم الأصلية، وقرَّروا البقاء في الوطن الآمن الأمين.

 

وإنَّ من المعالم البارزة في هذه الصفحة المشرقة التي يصنعها القائد ويراها العالم أنه يخاطب كل من ينتمي إلى هذا الوطن ويعيش على أرضه، فهم من هذا الوطن طالما أخلصُوا له وضحَّوا في سبيله، فهو وطن المحبة والتعايش والتسامح.

وفي هذه الصفحة المشرقة نجد أنَّ الأعمال الإدارية أثناء هذا العدوان الأثيم قد تقلَّصت مدة إنجازها بشكلٍ لا مثيل له، حتى في أيام السِّلم وفي أحسن دول العالم تنظيماً وإدارةً، فإنجاز الأعمال الإدارية التي تحتاج إلى أسبوعٍ من العمل في الأيام العادية في تلك الدول تُنجزها سواعد أبناء هذا الوطن خلال سبع ساعات أو عشر لا أكثر، ولربما أحسَّ كلّ من تعامل مع الإدارة في هذه الأيام بسرعة هذا الإنجاز وأهميته.

إنَّ هذا التفوُّق في أمور الحرب وأمور الحياة في ظلِّ الحرب، كان من تدبير هذا القائد الفذّ الشيخ محمد بن زايد، حفظه الله، ولهذا أحبَّه الناس كلُّهم في هذا الوطن من مواطنين ومقيمين، كما أحبَّهم هو وأكَّد للجميع مراراً متعدِّدةً أنهم كلُّهم عياله وتحت مسؤوليته، فهتفوا جميعاً باسمه عالياً حبّاً ووفاءً.

إنَّ العالم الذي يهتزُّ من حولنا، وحتى الدول التي لا علاقة لها بالحرب قد تأثَّرت، فهي تصرخ من هذه الحرب الأثيمة، وإنَّ هذا الوطن تميَّز عن العالم كله، فهو يقدِّم للعالم هذه الصفحة المشرقة من تاريخه التي صنعها القائد الفذُّ رئيس الدولة، حفظه الله، فالحرب والسلم في هذا الوطن أمنٌ وأمانٌ، لا تتوقف فيها الحياة ولا تتأخر الأعمال ولا يخاف الناس على أرواحهم أو أهلهم أو أعمالهم وممتلكاتهم.

هذه الصفحة المشرقة غير المعهودة ستبقى في تاريخ هذا الوطن مُنيرةً ومُلهمةً لأبناء الوطن ولغيرهم، وفي تاريخ العالم نموذجاً يُحتذى مدى الأيام، وستكون محلَّ تأملٍ عميقٍ من رجال الحكم والسياسة، وسيبقى تاجُ هذا الوطن الشيخ محمد بن زايد، قُطب رحى الفكر السياسي في العالم لأمدٍ طويلٍ بدقة تفكيره، وحسن تدبيره، وحكمة تصرفاته. إنه بحكمته ونافذ بصيرته يرى هذه الحرب حلقة واحدة من حلقات متصلة ترتبط بما قبلها، ولها تتمات بعدها، ولكل يوم شأنه وأحداثه، وقد وضع حفظه الله لكل مرحلة متطلباتها، وهذه هي حكمة القيادة، وقيادة الحكمة.

بالحِلم والعَقل الرَّجيحِ تَقُودنَا     فالنَّاسُ حولكَ كلُّهم أَنصَارُ

أعطوكَ بالعَهدِ الوَثيقِ يَمِينهُم     لا يَنكثُون فكلُّهم أَحرَارُ

 

المستشار الدكتور/ فاروق محمود حمادة.