لطالما ارتبطت الحرب بالدعاية السياسية، لكن أشكالَها تطورت بشكل جذري كتطور الأسلحة نفسها. فما بدأ كمنشورات بدائية وصحف حزبية، أصبح في العصر الرقمي أداة أكثر مرونة وسخرية وصعوبة في السيطرة عليها. ولا تعد الحرب الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث تستخدم وسائل الإعلام المرتبطة بإيران رسوماً كاريكاتورية ساخرة من القيادة الأميركية، بالحالة الشاذة، بل هي أحدث فصول تاريخ طويل من تشكيل إدراك الأفراد كسلاح في الحرب.
وخلال الحرب الأهلية الأميركية، كانت الدعاية مباشرة بصورة فجة، لكنها مع ذلك فعّالة في الوقت ذاتها. وقد اعتمد كلٌّ من الاتحاد والكونفدرالية على الصحف والخطابات الحماسية والرسوم الكاريكاتورية السياسية لتأطير الصراع بمصطلحات أخلاقية. وصَور أنصارُ الاتحاد الحربَ كحملة تحررية ضد العبودية، بينما صوّرت أصوات الجنوب إبراهام لينكولن كما لو كان «طاغية يسعى إلى تدمير الحرية». وكانت الأدوات بسيطة، لكن الهدف كان واضحاً، ألا وهو اختزال صراع معقّد في خيار أخلاقي وتصوير العدو في صورة شخصية.
وخلال الحرب العالمية الأولى، أصبحت الدعاية مؤسسة راسخة. ولم تعُد الحكومات تعتمد على أصوات متفرقة، بل أنشأت آلياتٍ مركزيةً لتشكيل الرأي العام. وفي الولايات المتحدة، قادت لجنةُ الإعلام حملةً واسعةَ النطاق من الملصقات والخطابات والأفلام بغية حشد الرأي العام. وتحولت صورٌ أيقونية، مثل صورة «العم سام» وهو يشير مباشرة إلى المشاهد، إلى واجب وطني. كما انتشرت قصص مبالغ فيها عن فظائع العدو لتأجيج المشاعر العامة، بهدف جعل الدعاية منهجية وعاطفية ومتجذرة بعمق في إدارة الحرب.
وقد زادت الحربُ العالمية الثانية من حدة هذا المسار وعمقته أكثر، إذ لم تعد الدعاية مكملةً للعمليات العسكرية، بل أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الحرب الشاملة. وحشدت الحكوماتُ مجتمعاتٍ بأكملها من خلال الصور والأفلام والإذاعة. وفي الولايات المتحدة، رمزت شخصياتٌ مثل «روزي»، عاملة المصانع، إلى الوحدة الوطنية والتضحية، بينما أتقن جوزيف غوبلز في ألمانيا النازية فنَّ السيطرة المركزية على الرسائل الإعلامية. ولم يكن الهدف مجرد الإقناع، بل حقنَ العقل العام بمعلومات معينة دون مجال للشك أو المعارضة.
وخلال الحرب الباردة، تحولت الدعاية إلى صراع عالمي للسرديات. وسعى كل من الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة إلى كسب الجدال، وكذلك إلى تحديد الواقع نفسه. وأصبح البث الإذاعي والتأثير الثقافي والرسائل الأيديولوجية أدواتِ نفوذ عابرة للقارات، فيما كان بمثابة دعاية استراتيجية طويلة الأمد، تُشكل المعتقدات على مدى عقود بدلاً من حشد الشعوب لصراع فوري.
وما يميز اللحظة الراهنة ليس هدف الدعاية، بل شكلها. ففي المواجهة مع إيران، انتقلت الرسائل من الطابع السلطوي إلى الطابع الساخر، حيث تنتشر مقاطع رسوم متحركة وجيزة، بينها مقاطع على غرار «ليغو»، بسرعة عبر المنصات الرقمية، في محاولة للسخرية من الإدارة الأميركية وتقويض مصداقيتها. ولا تهدف هذه المواد إلى فرض التصديق بالمعنى التقليدي، بل إلى استدعاء حالة السخرية، وجعل الخصم يبدو مثيراً للهزل وليس شريراً كما كانت تفعل الدعاية في السابق.
ويعكس هذا التحول تغييراً عميقاً في كيفية تشكيل هذا التأثير. فالدعاية في الماضي كانت تعتمد على السيطرة على المطابع أو موجات الراديو أو استوديوهات الأفلام. أما اليوم، فتزدهر الدعاية بالانتشار والسرعة. ولا تنتشر لأنها مفروضة، بل لأنه تتم مشاركتها. وتكمن قوة الرسوم المتحركة المصنوعة من مكعبات الليغو في عفويتها وقيمتها الترفيهية، مما يسمح لها بتجاوز الشكوك التي غالباً ما تُقابل بها الرسائل الإعلامية الرسمية أو المباشرة.
وإذا كانت الأجيال السابقة تخشى الدعايةَ بسبب صراحتها وقوتها، فإننا حالياً نواجه خطراً أكثر دهاءً. فالدعاية الإيرانية تستخدم السخرية، وتنتشر عبر شبكات التواصل نفسها التي نستخدمها. ولذا، فقد تكون أكثر استمراراً وتأثيراً مما سبقها. وحتى الآن، اعتمدت الولايات المتحدة بشكل أساسي على مقاطع فيديو لتدمير أهداف إيرانية لإظهار قوتها العسكرية. إلا أن الرسوم المتحركة الإيرانية المصنوعة من مكعبات الليغو قد يكون لها تأثيرها على قطاعات من الجمهور. وستحتاج الولايات المتحدة إلى مجاراة قوتها العسكرية ونفوذها السياسي بدعاية إعلامية مؤثرة، إذا ما أرادت كسب سردية الحرب.
*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز «ناشونال انترست» - واشنطن