لا بد من إمعان النظر والتدقيق في ما وراء العمليات العدوانية التي شنتها إيران في منطقة لا تحتمل هذا السلوك المتهور، منطقة تُعَدُّ شريان النفط العالمي، ولا يمكن الاستغناء عن 40% من هذا المورد الحيوي الذي تمتلكه منطقة الخليج، لأن ذلك يعني وقف كل المصانع والمحطات والمركبات وغيرها من الآلات التي تستخدم النفط كجزء من منظومة الإنتاج، والبديل غير متوفر على وجه السرعة.
لماذا ضربت أميركا إيران؟! لأن إيران تشكل تهديداً إقليمياً وتوظف أذرعها للتدخل قي شؤون الدول العربية، لا تنتهج سياسة تنموية، بل تكرس كل مداخيلها ومواردها للتسليح وبرامج إنتاج الصواريخ. أميركا اتخذت قرار الهجوم لأنها دولة قوية، والقوي يعرف متى يضرب، والولايات المتحدة واثقة من تفوقها العسكري على إيران.
هناك مجموعة عوامل تجمع القوى العظمى الثلاث مع دول العالم كافة في مسألة الاهتمام بمنطقة الخليج، أولها أن النفط الذي تتمتع به دول المنطقة، يُعَدُّ رئة العالم الصناعي بوصفه مصدراً للطاقة، وهذه الأخيرة ازداد الطلب عليها في عصر الذكاء الاصطناعي، الذي تتنامى فيه أهمية الرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات التي تدخل ضمن كل المنتجات الرقمية، وهي بمثابة الرئة الثانية لعالم الذكاء الاصطناعي، وثالثها الممرات البحرية المهمة في مضيق هرمز.
أميركا هي القوة العظمى في العالم، ترسخ قوتها في الضغط على إيران عسكرياً واقتصادياً، وهي مدركة من دون المضي في الدعاية لنفسها أن لديها كبقية الدول مشكلة الديون المتراكمة بسبب طباعة الدولار بلا مقابل غير «السمعة»، وديونها كذلك عظيمة بقدر عظمتها، إلا أنها شوكة في حلقها، تقدر بثلاثين تريليون من الدولارات، والذي يزيد من تفاقمها هو عزم دول مثل روسيا والصين ومعهما دول «بريكس»، إجراء التعاملات التجارية بعملاتها المحلية بدلاً من الدولار، وهو ما يؤثر على قيمة الدولار نزولاً والديون صعوداً أكبر.
لكن رغم هذه التحديات الاقتصادية، تظل أميركا واثقة من نفسها بأن الاتحاد الأوروبي تحت إمرتها، وكذلك إسرائيل التي تعبث يمنة ويسرة بضوء أخضر منها، لذا هي لا تخشى أي دولة يمكن أن تفكر في مواجهتها!
وفي مواجهتها مع إيران، تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيق أهدافها خلال أسابيع أو أشهر، سواء التخلص من برنامج إيران النووي أو تدمير برامج الصواريخ البالستية أو الضغط على النظام الإيراني كي يتغير أو ينتج طبقة جديدة من السياسيين تكون أكثر استجابة للمطالب الأميركية.
الحرب مناورة وخُدعة وحيلة، والسياسة سباق على تحقيق الأهداف وحماية المصالح، فأميركا مع إيران تقصف مرة، وتلوِّح بالعودة إلى طاولة المفاوضات، وتتلكأ في وضع الشروط، وأحياناً تلجأ إلى بنود تعجيزية كي لا يستطيع الطرف الآخر تنفيذها.
وفي ظل التصلب الإيراني والمماطلة المعهودة في حسم المفاوضات، والرسائل المزدوجة والمواقف غير الواضحة، التي تعكس تضارباً في آليات ومراكز صنع القرار داخل النظام السياسي الإيراني، تزداد احتمالات العودة للتصعيد والصدام العسكري بين واشنطن وطهران، أي تفعيل سيناريو العودة إلى العمليات العسكرية لتحقيق الرضوخ الإيراني، واستسلام طهران للشروط الأميركية. وفي ظل مشهد تفاوضي متعثر، مصحوب بتصريحات متضاربة، خاصة من إيران، سيكون الباب مفتوحاً على نتائج غير متوقعة، تضع الطرفين في مأزق يجعل من الصعب عليهما الخروج من هذه الحرب بطريقة ما لحفظ ماء الوجه.
واعتمدت السياسة الأميركية على مناورات استطاعت واشنطن من خلالها التخلص من قادة الصف الأول والثاني في إيران، ولم تستطع طهران الرد بالمثل، فلم تتمكن من إسقاط أي قائد في أميركا ولا في إسرائيل، بل أسقطت صواريخها على جيرانها العرب، ويا له من خزي سياسي وعار أخلاقي، يلطخ سياستها.
*كاتب إماراتي