في إطار الرؤية التنموية المتكاملة لدولة الإمارات العربية المتحدة، التي تضع الإنسان والمجتمع في صميم أولوياتها، يبرز إطلاق «صندوق تمكين مؤسسات النفع العام» بقيمة 100 مليون درهم كخطوة استراتيجية تعكس نضجاً متقدماً في إدارة العمل المجتمعي، وانتقاله إلى مرحلة الاستثمار المؤسسي في الأثر المستدام.وفي الواقع، فإن هذه الخطوة تعكس فهماً عميقاً للتحولات التي يشهدها العالم، حيث لم يعد العمل الخيري أو المجتمعي كافياً في صورته التقليدية، بل بات يتطلب أدوات حديثة قائمة على الكفاءة، والحوكمة، وقياس النتائج. ومن هنا، يأتي الصندوق ليشكل منصة وطنية متكاملة تعيد تعريف دور مؤسسات النفع العام، وتعزز مكانتها شريكاً رئيسياً في تحقيق الأولويات الوطنية.
وقد أكدت معالي شما بنت سهيل المزروعي، وزيرة تمكين المجتمع، أن هذا الصندوق يمثل ضرورة مرحلية تنقل منظومة الدعم من مجرد مساحة للمساندة إلى مساحة استثمار حقيقي في الأثر المجتمعي، وهو توصيف يعكس جوهر التحول الذي تسعى إليه دولة الإمارات، فالمسألة لم تعد تتعلق بتقديم الدعم بحد ذاته، بل بكيفية توجيهه لتحقيق أثر ملموس ينعكس على جودة حياة الأفراد واستقرار المجتمع.
كما أوضحت معاليها أن دولة الإمارات تمتلك قطاعاً مجتمعياً نشطاً ومبادرات مؤثرة، إلا أن المرحلة الحالية تتطلب تنظيم هذه الجهود ضمن منظومة متكاملة قادرة على تعظيم أثرها وضمان استمراريتها. وتؤكد هذه الرؤية أن التحدي الحقيقي لا يكمن في نقص الموارد، بل في تعزيز إدارتها، وربطها بأهداف واضحة وقابلة للقياس.
ومن الناحية العملية، يوفر الصندوق نموذجاً مرناً للتمويل يراعي احتياجات المؤسسات في مختلف مراحلها، إذ يقدم دعماً تأسيسياً يصل إلى 500 ألف درهم للمؤسسات الناشئة بهدف بناء قدراتها التشغيلية، إلى جانب تمويل توسعي يصل إلى 5 ملايين درهم للمؤسسات القائمة، لتمكينها من توسيع برامجها وتعظيم أثرها. وتُظهر هذه المقاربة المتوازنة وعياً بأن بناء قطاع مجتمعي قوي يتطلب دعم البدايات، وفي الوقت ذاته تعزيز النماذج الناجحة.
ويكتسب الصندوق أهمية إضافية من خلال تركيزه على مجالات حيوية تمس حياة الإنسان بشكل مباشر، مثل التعليم، والصحة، والتنمية المجتمعية، ودعم الأسرة، والبيئة، وهي مجالات تشكل العمود الفقري للاستقرار المجتمعي، وتنسجم مع توجهات الدولة، خاصةً في ظل التركيز على تعزيز التماسك الاجتماعي وترسيخ جودة الحياة.
وفي هذا الإطار، يتجه الصندوق إلى ترسيخ مكانة مؤسسات النفع العام بوصفها رافعة أساسية للتنمية المستدامة، من خلال تمكينها مالياً وتشغيلياً، وتعزيز قدرتها على ابتكار حلول عملية للتحديات الاجتماعية والاقتصادية. ويجسد هذا المسار تحولاً في النظرة إلى هذه المؤسسات، من كونها جهات داعمة إلى فاعل رئيسي قادر على قيادة مبادرات التنمية، متى ما توفرت له البيئة الداعمة والأدوات المناسبة.
ولا يتوقف أثر الصندوق عند البعد الاجتماعي فحسب، بل يمتد ليشمل البعد الاقتصادي، عبر دعم مساهمة هذا القطاع في الاقتصاد الوطني، وتحفيز خلق فرص عمل، وتعزيز منظومة الابتكار المجتمعي. ويؤكد وجود ما يقارب 800 مؤسسة نفع عام في الإمارات، تضم أكثر من 160 ألفَ عامل، أن هذا القطاع يمتلك قاعدة صلبة وإمكانات كبيرة يمكن الارتقاء بها وتوسيع نطاق تأثيرها من خلال مبادرات استراتيجية من هذا النوع.
ما يميز هذه الخطوة أنها تنطلق من خصوصية التجربة الإماراتية، التي تقوم على قيم التلاحم والتكافل، مع توظيف أدوات حديثة تواكب أفضل الممارسات العالمية. فالصندوق لا يكتفي بالتمويل، بل يعتمد آلياتِ تقييم دقيقة تضمن توجيه الموارد نحو المبادرات الأكثر تأثيراً وجدوى، بما يعزز ثقافة المسؤولية والشفافية.
في المحصلة، يمثل «صندوق تمكين مؤسسات النفع العام» نموذجاً متقدماً للعمل الحكومي الذكي، الذي يجمع بين الرؤية الاستراتيجية والتنفيذ العملي، ويؤكد أن دولة الإمارات ماضية في ترسيخ نموذج تنموي متوازن يدمج بين الاقتصاد والمجتمع، ويجعل من الإنسان محوراً لكل إنجاز. ومع استمرار هذه الجهود، يبدو واضحاً أن مستقبل العمل المجتمعي في الإمارات يتجه نحو مزيد من الاحترافية، والتأثير، والاستدامة.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.