خروج دولة الإمارات من«أوبك» و«أوبك+»، لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه موقفاً سياسياً ضد المنظمة، ولا باعتباره اعتراضاً على مبدأ التنسيق بين المنتجين. والقراءة الأدق أنه قرار اقتصادي سيادي واستراتيجي في المقام الأول، يعكس تغيراً عميقاً في أسواق الطاقة، وحاجة الإمارات إلى مرونة أكبر في الإنتاج والاستثمار، بما يخدم مصالحها الوطنية وخططها طويلة المدى.
أدت أوبك دوراً تاريخياً مهماً في مرحلة كان فيها سوق النفط أقل تعقيداً، وكانت حصتها في السوق العالمية أكبر مما هي عليه اليوم، وآنذاك كانت ثمة حاجة أساسية إلى تنسيق الإنتاج للمساهمة في استقرار الإمدادات. لكن البيئة التي نشأت فيها المنظمة لم تَعُد هي نفسها اليوم. أسواق الطاقة اتسعت، سلاسل الإمداد أصبحت أكثر تشابكاً، والطلب العالمي لم يعد يتحرك وفق إيقاع واحد يمكن ضبطه بالأدوات القديمة نفسها.
الخطوة الإماراتية مفهومة في توقيتها ومعناها. فالدولة استثمرت خلال سنوات طويلة في بناء قدرات إنتاجية موثوقة وفعالة وتنافسية، ولم يكن منطقياً أن تبقى هذه القدرة محكومة دائماً بإطار جماعي لا يعكس بالضرورة كل ما طرأ على السوق أو على مصالح الإمارات وخططها الطويلة. وعندما تبني دولة طاقة إنتاجية كبيرة، وتربطها باستثمارات واسعة في قطاع الطاقة، يصبح طبيعياً أن تطلب هامشاً أوسع في إدارة هذه القدرة بما يخدم اقتصادها الوطني وأولوياتها الاستراتيجية.
وهكذا لا يظهر القرار بوصفه شأناً نفطياً منفصلاً عن الاقتصاد الوطني. فالإمارات تتعامل مع الطاقة باعتبارها جزءاً من رؤية اقتصادية طويلة المدى، تتداخل فيها اعتبارات النمو، والتنافسية، وأمن الإمدادات، والاستثمار، والاستدامة. لذلك فإن الخروج من «أوبك» و«أوبك+» لا يعني فقط التحرر من حصص إنتاج جماعية قد لا تراعي المتغيرات العالمية بالشكل الكافي، بل يعني أيضاً جعل السياسة الإنتاجية أكثر اتصالاً بالخطط الوطنية وبالتحولات الفعلية في السوق.
كما أن القرار يتلاءم مع الأوضاع الجيوسياسية الراهنة. فالاضطرابات في الخليج ومضيق هرمز لم تَعُد تعني فقط احتمال تعطل الإمدادات، بل تعني أيضاً ارتفاع كلفة المخاطر وعدم اليقين. وفي بيئة كهذه تصبح المرونة جزءاً من الاستقرار. المنتج الموثوق اليوم ليس فقط مَن يملك الاحتياطي أو الطاقة الإنتاجية، بل مَن يملك أيضاً سرعة الحركة والقدرة على التكيف مع التغيرات وحماية تدفق الإمدادات في ظروف إقليمية مضطربة.
ولا يعني ذلك أن الإمارات تغادر ساحة التعاون. على العكس، الفارق أن الدولة تنتقل من التنسيق داخل إطار محدد إلى مرونة أوسع في العمل مع الشركاء عبر العلاقات الثنائية ومتعددة الأطراف، مع استمرار التزامها باستقرار السوق ونهجها المعروف كمنتج مسؤول وموثوق. وبذلك لا يعبّر القرار عن انسحاب من السوق، بل عن إعادة تعريف لآلية عمل أكثر مرونة واستقلالاً.
ومن المهم أيضاً ألا يُقدَّم خروج الإمارات كأنه خطوة غير مسبوقة. فقد شهدت «أوبك» خلال السنوات الماضية خروج دول أخرى، كما أن الوزن النسبي للمنظمة لم يعد كما كان في عقود سابقة. وهذا لا ينتقص من الدور التاريخي الذي أدته، لكنه يوضح أن أسواق الطاقة تتحرك اليوم وفق توازنات مختلفة، وأن الدول المنتجة الكبرى باتت تعيد حساباتها وفق مصالحها وقدراتها وموقعها في السوق.
لا تغادر الإمارات «أوبك» و«أوبك+» لأنها ترفض استقرار السوق، بل لأنها ترى أن استقرار السوق نفسه يحتاج اليوم إلى أدوات أكثر مرونة. وهذا ما يمنح القرار معناه الحقيقي. إنه قرار يضع المصلحة الوطنية في موقعها الطبيعي، ويمنح الدولة حرية أوسع في إدارة مواردها واستثماراتها، من دون التخلي عن مسؤوليتها تجاه الأسواق العالمية. وهو تعبير عن نضج في سياسة الطاقة الإماراتية، وعن ثقة دولة تعرف ماذا تريد، وكيف تدير موقعها في سوق لم يعد يشبه ما كان عليه قبل عقود. 


* كاتب إماراتي