مع تسارع تدفُّق الأخبار وتكاثر مصادر المعلومات، وتصاعد التحديات المرتبطة بانتشار التضليل واشتداد المنافسة في المشهد الإعلامي، تتعزز الحاجةُ إلى إعلام وطني يقدِّم محتوى مهنياً موثوقاً يعكس واقع المجتمع ويقوّي تماسكه. ولم يَعُد دور الصحافة محصوراً في نقل الأخبار، بل امتد ليشمل تسليطَ الضوء على القضايا المحلية، وصون التراث، وترسيخ الهوية الوطنية.
ويُعد تسليطُ الضوء على القضايا المحلية والتراث، إلى جانب دعم الصحافة الوطنية، عاملاً أساسياً في تعزيز شعور الانتماء والوحدة بين أفراد المجتمع. فالصحافة الوطنية تظل مرآة المجتمع وصوته الصادق، وتُسهم في بناء الوعي ومواجهة تحديات تضليل المعلومات، بما يعزّز الأمن الإعلامي للمجتمع ويحميه من تأثيرات المحتوى غير الموثوق.
وبمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، الذي يوافق الثالث من مايو من كل عام، والذي أقرته الأمم المتحدة عام 1993، لتعزيز مبادئ حرية الصحافة، والدفاع عن استقلالية وسائل الإعلام، لا بدّ من الإشارة في هذا السياق إلى أن قطاع الإعلام في دولة الإمارات العربية المتحدة يحظى بدعم واهتمام متواصلين من القيادة الرشيدة، انطلاقاً من إيمانها بأهمية دور الإعلام في بناء الوعي وترسيخ قيم المعرفة والانفتاح. وقد تجسّد هذا التوجه في إطلاق مبادرات وبرامج تدعم الصحافة الوطنية، وتمكّن الكوادرَ الإعلامية من أداء مهامها بكل كفاءة واقتدار.
ويُعد دعم الصحافة الوطنية خياراً استراتيجياً لمواجهة التحديات الراهنة، بما في ذلك التصدي لانتشار الأخبار المضللة والمنافسة المتزايدة مع المنصات الرقمية العالمية. فالصحفي الوطني يعمل وفق معايير مهنية دقيقة تقوم على الالتزام بالحقيقة والتحليل المسؤول، ما يتطلب دعماً مستمراً يضمن استدامة هذا الدور.
وفي هذا الإطار، لم يَعُد تطوير الإعلام الوطني مرتبطاً بالمحتوى فقط، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بالتحول الرقمي وتوظيف التقنيات الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات ومنصات النشر الرقمية. ويسهم هذا التحول في تعزيز قدرة الإعلام الوطني على المنافسة، ورفع جودة إنتاجه، ومواكبة التطورات العالمية المتسارعة في صناعة الإعلام.
وتتجلى أهمية هذا الدعم في تعزيز الثقة بين القارئ والمؤسسات الإعلامية، وتشجيع الكفاءات الشابة على الانخراط في العمل الصحفي، إلى جانب ترسيخ مبادئ المهنية والاستقلالية. كما يسهم الاستثمار في التدريب والتقنيات الحديثة في رفع جودة المحتوى، وتمكين الإعلام الوطني من المنافسة في بيئة إعلامية متجددة.
كما يحقق هذا الدعم فوائد استراتيجية متعددة، من أبرزها تعزيز المصداقية، وبناء وعي مجتمعي مستنير، وترسيخ الهوية الوطنية وقيمها الثقافية، إلى جانب دعم مسيرة التنمية عبر إبراز الإنجازات الوطنية، وتعزيز الحضور الإعلامي للدولة على الساحة الدولية.
ومن زاوية أخرى، أصبح من المهم اليوم قياس نجاح الإعلام الوطني بمدى تأثيره في الوعي المجتمعي، وليس فقط بحجم المحتوى المنشور، إذ باتت الجودة والتأثير عنصرين أساسيين في تقييم الأداء الإعلامي، بما يعزّز دوره في تشكيل الرأي العام بشكل مسؤول.وفي هذا السياق، جاء إطلاق «نادي أبوظبي للصحافة» كمبادرة استراتيجية تعكس توجهات إمارة أبوظبي نحو تطوير منظومة إعلامية متكاملة، قائمة على تعزيز التعاون المهني، وتبادل الخبرات، وبناء شراكات فاعلة مع مختلف المؤسسات الإعلامية.
وفي موازاة ذلك، يشهد المشهد الثقافي الإماراتي حراكاً متنامياً مدعوماً بمبادرات وطنية تهدف إلى صون التراث وتعزيز الإبداع، من خلال ربط أصالة الموروث بروح الحداثة، وتمكين المبدعين، ودعم الإنتاج الثقافي، بما يعزّز الهوية الوطنية ويرسّخ قيم الانتماء.
كما يسهم دعم المحتوى المحلي في تعزيز العلاقة بين الإعلام والجمهور، من خلال تقديم مواد تعكس الحياة اليومية للمجتمع وقضاياه الواقعية، مما يرسّخ حضورَ الإعلام الوطني كجزء من النسيج الاجتماعي وليس مجرد ناقل للأخبار.
ولا يمكن إغفال دور القارئ في هذا السياق، إذ يُعد شريكاً أساسياً في دعم الصحافة الوطنية، من خلال متابعته للمصادر الموثوقة، وتفاعله مع المحتوى الهادف، ورفضه للمحتوى المضلّل. فالإعلام القوي لا يُبنى فقط داخل غرف التحرير، بل يتعزز أيضاً بثقافة مجتمعية تُقدِّر الكلمةَ الصادقة والمسؤولية المهنية.
وفي المحصلة، تبقى الصحافة الوطنية مرآة المجتمع وصوته الأمين، ويُعد الاستثمار فيها رهاناً على الوعي والمعرفة. ومع تضافر الجهود، يمكن تشييد مشهد إعلامي وطني راسخ يعزّز الهوية الوطنية ويواكب تطلعات المستقبل.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.