تُعَدّ نظرية ولاية الفقيه من أكثر الأطروحات السياسية إثارةً للإشكال في الفكر الإسلامي المعاصر، إذ تزعم نقل سلطة دينية مفترضة إلى حيز السلطة السياسية الفعلية وإضفاء صفة الإطلاق عليها في إدارة شؤون الأمة. غير أن إخضاع هذه النظرية لميزان الفقه وأصوله يكشف عن هشاشتها البنيوية وافتقارها إلى مستند شرعي رصين، فضلاً عن تعارضها مع ثوابت الشريعة ومقاصدها الكلية، وما تُفضي إليه من نتائج خطيرة حين تُنزَّل على أرض الواقع.
يبدأ الخلل من جذوره التأصيلية، إذ لا يستند هذا البناء الضخم إلى نصٍ قطعي الثبوت والدلالة، بل يقوم على عبارات عامة فضفاضة من قبيل «مجاري الأمور بيد العلماء» و«الراد على الفقيه كالراد على الله». وتوظيف مثل هذه المقولات، التي تخالف في ظاهرها جوهر الدين ومقاصده، لتأسيس ولاية سياسية مطلقة للفقيه، ما هو إلا تعسّف في التأويل وتحميل للنصوص ما لا تحتمله دلالةً ولا سياقاً. والقاعدة الأصولية المقررة أن الدليل الذي يُثبت حكماً استثنائياً يجب أن يكون في قوته وصراحته بقدر ما يُثبته، وليس في مسألة تفويض حكم الأمة ما يرقى إلى هذا المستوى. بل إن السياق العقلاني الذي يُستند إليه أحياناً من قبيل الحاجة إلى حاكم يقيم العدل في زمن الغيبة (غيبة الإمام المهدي عند الطائفة الشيعية) لا يستلزم بحال أن يكون هذا الحاكم فقيهاً ذا صلاحيات مطلقة. وادعاء استمداد الشرعية من الإمام المهدي لإثبات ولاية الفقيه ليس إلا خرافة لا سند لها من نقل صحيح ولا من عقل سليم، إذ لم ولن يُفوِّض الإمام المهدي جماعةً متطرفة أو فئةً منحرفة لتتولى حكم الأمة بأكملها.
والأخطر من ضعف الدليل هو التلفيق القياسي الذي تقوم عليه النظرية، إذ تسعى إلى قياس الفقيه على الأنبياء، وهو قياس لا يصح في أي منطق فقهي سليم. فالفقيه في أحسن أحواله مجتهد بشري يصيب ويخطئ، ومحكوم بمحدودية فهمه، وقد تتبدل اجتهاداته من مسألة إلى أخرى ومن حقبة إلى أخرى. ومنح رجل الدين ولايةً مطلقةً تُلزم الأمة بطاعته في جميع الشؤون يعني رفع اجتهاده البشري إلى مستوى العصمة والإلزام الديني (في الفقه الشيعي)، من دون ضمانة لتصحيح الخطأ أو آلية للمساءلة. وهذا يناقض صريحاً القاعدة الأصولية التي تقرر أن «كلًاً يؤخذ من قوله ويُردّ»، وأن الاجتهاد لا يُلزم إلا صاحبه.
وقد كانت سيرة العلماء عبر التاريخ الإسلامي شاهداً راسخاً على رفض هذا الخلط بين الأدوار، إذ حرص جمهورهم على الفصل بين مقام الإفتاء والتعليم من جهة، والشأن السياسي والإداري من جهة أخرى. ولم يكن ذلك عجزاً أو انزواءً، بل وعياً بخطورة تسييس الدين ومصادرة الخطاب الديني لخدمة أجندات سياسية غير مسؤولة. أما في ظل نظرية ولاية الفقيه، فيجري دمج الدين والسياسة في يد واحدة، فيصبح الفقيه مشرّعاً ومفسّراً للنص وحاكماً منفّذاً في آنٍ واحد. وهذا التركيز هو الذي منح ملالي إيران حصانةً مطلقة من النقد، إذ يُصوَّر كل اعتراض على قرارات الولي الفقيه السياسية اعتراضاً على الدين ذاته، وهو توظيف صريح يخدم السلطة ويُفسد الدين في آنٍ معاً.
وتزداد الإشكالية تعقيداً حين يُفحص النظام الذي يُنتج الولي الفقيه ويُعيّنه، إذ يُفترض بمجلس الخبراء أن يختاره ويراقبه، غير أن أعضاء هذا المجلس يخضعون بدورهم لتدقيق مجلس صيانة الدستور وفلترته، وهو جزء أصيل من منظومة السلطة القائمة. والنتيجة دائرة مغلقة يمنح فيها النظامُ شرعيةَ من يُفترض أنه يُشرعن النظامَ نفسَه، أي دور فاضح لا ينتج رقابة حقيقية. وقد أثبتت التجربة الإيرانية هذا بصورة لا تقبل الجدل، فالفقهاء الذين جاهروا باعتراضهم لم يُقصَوا من المشهد فحسب، بل تعرّض بعضهم للملاحقة والعقوبات القاسية، ومنهم هادي الخامنئي، شقيق علي خامنئي نفسه. وهذا وحده كافٍ للدلالة على أن آلية الاختيار لا تُنتج قيادة دينية مستقلة بل تُعيد إنتاج الولاء السياسي في عباءة فقهية.
وعلى صعيد المبادئ الشرعية الكبرى، يتعارض هذا النظام مع مبدأ الشورى الذي أقرّه القرآن الكريم صراحةً: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾. فروح هذا المبدأ تقتضي مشاركة الأمة في اتخاذ قرارها، ومنع احتكار السلطة في يد معمم أو ميليشيا. أما في نموذج ولاية الفقيه المطلقة، فتُختزل الشورى في إجراءات شكلية لا تؤثر في القرار النهائي، ويتحول التصويت والتمثيل إلى واجهة تُزيّن سلطةً مسبقة التقرير. وهذا ليس خللاً تطبيقياً قابلاً للإصلاح بل تناقضاً هيكلياً متجذّراً في بنية النظرية ذاتها.
وحين تُقاس هذه النظرية بمقاصد الشريعة التي تدور في جوهرها حول تحقيق العدل وصيانة الكرامة الإنسانية ودرء الاستبداد، يكون الحكم عليها أشد. فمقاصد الشريعة لا تكتفي بحسن النية، بل تشترط وجود آليات مؤسسية تكبح الانحراف. وتركيز الدين والسياسة معاً في يد فرد يتحصّن بالعصمة الدينية ضد النقد هو بالضبط الإطار الأكثر قابلية للاستبداد. والتجربة التاريخية، لا الميل الأيديولوجي، هي التي تُثبت أن الأنظمة التي تجمع بين السلطتين الدينية والسياسية في يد واحدة، كما هو الحال في نماذج الإسلام السياسي من جماعة «الإخوان» إلى إيران، تنتهي حتماً إلى تسييس الدين وإفساد السياسة معاً.
في المحصلة، لا تواجه نظرية ولاية الفقيه المطلقة إشكالات هامشية قابلة للترميم، بل تتصدّع من أساسها الفقهي إلى تطبيقاتها الواقعية. إنها نظرية تفتقر إلى الدليل الصريح، وتقوم على قياس مع الفارق، وتناقض مبدأ الشورى القرآني، وتفتح الباب أمام الاستبداد المُقدَّس.
ومن ثمّ فإن التمييز الواضح بين المرجعية الدينية والسلطة السياسية ليس تنازلًا عن ثوابت الإسلام، بل عودة إلى روحه الحقيقية التي تدعو إلى طاعة ولي الأمر امتثالًا لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾. وهذه الطاعة لا استثناء فيها ولا درجات، فرجل الدين في ميزان هذه الآية مواطن كسائر المواطنين، تلزمه من الطاعة والانتماء ما يلزم غيره، وليس له بحكم عمامته أو اجتهاده أن يدّعي موازاة السلطة أو منافستها. ولا يُعدّ العالم الديني سلطةً موازية ولا مرجعاً مستقلاً في شؤون الحكم والسياسة، بل هو جزء من النسيج المدني للدولة، يؤدي دوره في التعليم والإرشاد ضمن الإطار الذي تضعه الدولة لا خارجه. وتُعطي هذه الرؤية الحاكمَ المجال الأوسع لخدمة دينه وشعبه ووطنه بما منحه الله من حكمة وخبرة وتوفيق.
وهذا بالضبط ما جسّده النموذج الإماراتي الحكيم، الذي أعطى للعلماء ورجال الدين مساحتهم الكاملة لخدمة الدين وتوجيه الناس، وأعطى للحاكم حقه الشرعي والقانوني في إدارة شؤون الدولة، فأتاح بذلك نهضةً شاملة وعدالةً راسخة في ظل دولة تحتكم إلى القانون وتصون كرامة الإنسان.
*مستشار برلماني