المقال ليس عرضاً أو قراءةً لكتاب «إنباء الأمراء في أنباء الوزراء»، لمصنّفه شمس الدِّين بن طولون (952هج)، إنما جاء الاعتبار والتذكير به، لما فيه من الدَّلالة على ما يحصل بالعراق اليوم من اختيار وتوزير رؤوساء الوزراء عن طريق الأمراء، وقديماً كان الوزير يعني رئيس الوزراء اليوم، وفي بعض الأنظمة عُرف بالوزير الأول، مثلما هو الحال بالمغرب العربي، أو الصَّدر الأعظم مثلما في النِّظام العثمانيّ.
وبشكل عام يُؤرَّخ لظهور مجلس الوزراء، بهذا الاصطلاح، مع النظام الأميركي، وبدأ بأربع وزارات، وما كان معمولاً به بالأنظمة الأوروبيَّة، وفي الدولة العثمانية حيث الصدارة العظمى، أي رئاسة الوزراء، وللتذكير والتفريق في تعدّد الوزراء عُرف في النظام الإسلامي العباسي وزيران: وزير التفويض ووزير التنفيذ، والأول هو المعنيُّ بدور رئيس الوزراء، فالأمير أو الخليفة يكلّفه بإدارة الدّولة، والثاني يكون مساعداً، تُحصر مهمته بين الأمير والرعيّة، ويمكن تعيين شخصية مِن أهل الذِّمة لهذا المنصب (الماوردي، الأحكام السُّلطانيَة)، لأنه لا يمسّ التشريع الديني.
وقد يسأل سائل: ومَن هؤلاء الأمراء، الذين ينتظرون أنباء الوزراء كي يعتمدوهم وزراء؟ ويستمعون لأخبارهم وحكاياتهم، ووفقها يوضعون بين الرضا والسُّخط، فكم وزير رُفعت منزلته في الآفاق، ثم نزلت حتى لم يجد قوت يومه، ناهيك عن التعرض للعذاب والقتل، وليس أشهر من «نكبة البرامكة» في عهد هارون الرشيد (169-193هج).
في حال العراق اليوم، يُعد رؤساء الكتل السياسية، حتى مِن غير المنتخبين في البرلمان، أمراءً، وبالتالي لا يوزر رئيس وزراء، وليس له التصرف باختيار أعضاء حكومته، من دون الاتفاق بين أمراء الكُتل، لترتيب شأن الوزارة، بغضّ النظر عمَّا ستقوم به الأخيرة، مِن حل المعضلات التي ابتلى بها هذا البلد، فصارت شعارات يرفعها الأمراء في تعيين رئيس الوزراء، ويظهرون كأنهم اختاروا الأوفق في التدبير.
اختير رئيس وزراء جديد للعراق، الذي لا يزال به أمراء الكتل، أصحاب الجماعات المسلحة، التي بها صاروا أمراءً وما زالوا، والأقرب هم «أمراء حرب» من غيرها مِن التسميات، فهذه الإمارة مختلفة عمَّا ظهرت في التاريخ، وجعلها ابن طولون عنواناً لكتابه، الذي جمع فيه أخبار أكثر من ثلاثين وزيراً، مِن مختلف عهود الدولة العباسية، التي بفضلها ظهر نظام الوزارة في تاريخ الإسلام.
فإذا كان الأمير، في ما مضى، ينفرد في تعيين الوزير، غدا اليوم بجمع مِن الأُمراء، كلٌّ يأخذ طرفاً مِن أطراف الوزارة، بعيداً عن مشروعه الوطني إن كان لديه مشروع، وبهذا يكون النظام الدّيمقراطي، المعلن في الدستور العراقيّ (2005) في حلٍّ مِن تعيين الرئيس ووزارته، حتى ظهر رؤساء وزراء لم يكونوا أعضاءً في البرلمان من الأساس، إنما اتفق على تعيينهم أمراء الكتل، وهؤلاء مصنفون على الانتماء الطائفي، وليس الوطني، فرئاسة الجمهوريّة حصة كرديّة، ورئاسة البرلمان حصة سُنيَّة، ورئاسة الوزراء حصة شيعيَّة، أي نظام المحاصصة المُعطل، في كل دورة، لحضور وعمل رئيس الوزراء، فالمنصب لم يأته مِن البرلمان أو حضوره في الانتخابات، وإنما بتعيين وتزكية مِن الأمراء، والتي منها ما لم تحصل على مقاعد برلمانيَّة كافية لهذا التحكم بتعيين أعلى سُلطة تنفيذيَّة، وهي مثلما معمول به الآن، أصبحت قياداتها تتوارث بين العائلات أو الأُسر، وهذا هو الجانب المعطِّل لأي تقدم في نهوض البلاد، ويكون تعيين الوزارة لصالح أمراء الكتل، التي ضمنت الكبرى منها رئاسة من الرئاسات.
إذا كان أمراء الأمس يهبون ما يملكون، وفق النّظام الوراثيّ السائد، وليس منهم مَن ادّعى بديمقراطية أو انتخاب، فأمراء اليوم يهبون ما لا يملكون، يدّعون شيئاً ويمارسون شيئاً آخر، وفي هذا العُرف لم يعد «الوزير» مَن يحمل ثقل، أو وزرَ أمير واحد، بل أوزار أمراء وحواشٍ، ليسوا أحراراً بدورهم مِن وزر أنظمة يراعون مصالحها قبل بلادهم.
*كاتب عراقي