في سياق توجهات دولة الإمارات العربية المتحدة لترسيخ اقتصاد معرفي وتعظيم الاستثمار في رأس المال البشري، تتواصل الجهود الوطنية لإطلاق مبادرات نوعية تستهدف اكتشاف ورعاية الموهوبين، بما ينسجم مع رؤية تضع الإنسان في صدارة أولويات التنمية، وتؤكد أن الاستثمار في العقول يمثل الركيزة لصناعة مستقبل أكثر ابتكاراً واستدامة متقدماً ومتوازناً. وفي هذا الإطار، أعلنت جمعية الإمارات لرعاية الموهوبين عن إطلاق «مجالس الموهوبين» على مستوى الدولة، في خطوة تمثل تحولاً نوعياً في آليات اكتشاف ورعاية المواهب الوطنية.

وقد جاء هذا الإعلان خلال لقاء تنسيقي عُقد في دبي بتاريخ 28 أبريل 2026 ، بحضور مجلس إدارة الجمعية وأعضاء لجنة اكتشاف الموهوبين، إلى جانب رؤساء المجالس ونوابهم وأعضائها. وأكد الأمين العام للجمعية، أحمد الدباني النعيمي، أن هذه المجالس باشرت أعمالها الميدانية في مختلف إمارات الدولة، بما يعكس جاهزية المبادرة للتطبيق الفعلي. ويشمل برنامج اكتشاف ورعاية الموهوبين حزمة من الأنشطة الميدانية، مثل الزيارات والفعاليات المجتمعية، عبر فرق متخصصة تعمل في مختلف إمارات الدولة، بهدف الوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من الموهوبين.

ويعكس هذا التوجه حرص الجمعية على توسيع نطاق الاكتشاف ليشمل المجتمع ككل، بدلاً من حصره في المؤسسات التعليمية، مع توقعات بظهور نتائج ملموسة خلال فترة وجيزة من خلال المبادرات الميدانية. ولا تقتصر أهمية المبادرة على الاكتشاف فحسب، بل تمتد إلى بناء منظومة متكاملة لرعاية الموهوبين، تشمل التوجيه والتأهيل والمتابعة، بما يعزز فرص تميزهم محلياً ودولياً.

كما تمثل هذه الخطوة ركيزة أساسية لتأسيس قاعدة وطنية شاملة للمواهب، تدعم توجهات الدولة في الاستثمار في رأس المال البشري، وتعزز دور المواهب كأحد عناصر القوة الناعمة. وفي سياق تطوير العمل المؤسسي، كشفت الجمعية عن إعادة هيكلة بنيتها التنظيمية عبر تشكيل ثلاث لجان متخصصة، هي: لجنة الدعم والرعاية، ولجنة التوعية والتثقيف واكتشاف الموهوبين، ولجنة البرامج والأنشطة، بهدف رفع كفاءة الأداء وتوزيع الأدوار بشكل أكثر تخصصاً، بما يواكب متطلبات المرحلة المقبلة ويعزز التكامل بين مختلف مسارات العمل. كما ناقش مجلس إدارة الجمعية خطة العمل المستقبلية، التي تركز على تعزيز برامج اكتشاف ورعاية الموهوبين، وتمكينهم من الإسهام بفاعلية في مسيرة التنمية الوطنية، بما يتماشى مع مستهدفات الأجندة الوطنية، ويؤكد أن هذا المجال بات جزءاً من منظومة وطنية متكاملة، تهدف إلى إعداد جيل مبدع قادر على المنافسة عالمياً. وفي موازاة ذلك، تبرز جهود مؤسسة حمدان بن راشد آل مكتوم للعلوم الطبية والتربوية من خلال إطلاق «المركز العالمي للموهوبين»، الذي يُعد مشروعاً بحثياً دولياً متخصصاً في مجال الموهبة، وقد أُطلق خلال «إكسبو 2020 دبي». ويُعد المركز أول منصة افتراضية عالمية تُعنى بتربية الموهوبين، مستنداً إلى أسس علمية قائمة على الدراسات والأبحاث المتخصصة.

ويهدف المركز إلى تطوير ونشر محتوى علمي متخصص عبر الإنترنت، وتحديد أفضل الممارسات في تعليم الموهوبين، إلى جانب إعداد البحوث وتبادلها مع المؤسسات الدولية، وبناء شبكة عالمية للتعاون، فضلاً عن تقديم خدمات التوجيه ونشر ثقافة التميز والإبداع على نطاق واسع. ومن أبرز مخرجاته تنظيم مؤتمرات تخصصية، وإطلاق جوائز عالمية، وبرامج تلمذة، وندوات تعليمية، ودورات تدريبية، إضافة إلى إنتاج محتوى معرفي متنوع يشمل أفلاماً تعليمية ونشرات إخبارية، بما يسهم في بناء بيئة عالمية داعمة للمواهب وتعزيز تبادل الخبرات بين الدول.

وتجسد هذه المبادرات مجتمعة رؤية استراتيجية متكاملة لدولة الإمارات، تقوم على الاستثمار في الطاقات البشرية وتعزيز الابتكار وبناء مجتمع معرفي قادر على مواكبة المتغيرات العالمية، فضلاً عن إعداد كفاءات وطنية تقود مسيرة التنمية وترسخ مكانة الدولة كمركز عالمي للإبداع.

ويشكل إطلاق «مجالس الموهوبين»، إلى جانب تطوير الهيكل التنظيمي للجمعية، ومبادرات المؤسسات الوطنية مثل «المركز العالمي للموهوبين»، منظومة متكاملة لرعاية الموهبة في دولة الإمارات، تؤكد استمرار الدولة في ترسيخ بيئة حاضنة للإبداع، قادرة على تحويل الطاقات الواعدة إلى إنجازات نوعية تدعم التنمية المستدامة وتعزز التنافسية العالمية.

*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.