يدور حالياً صراع محتدم بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران حول مضيق هرمز ذي الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية لدول الخليج العربية ودول العالم.
وقد قامت إيران، دولة العدوان المارقة، بزرع ألغام بحرية بمضيق هرمز، وانتهاج قرصنة عن طريق استخدام زوارق مسلحة ذات قدرة على مهاجمة السفن التجارية العابرة، في عمليات تهدف إلى ما تسميه إيران بأنه إغلاق للمضيق أمام حركة الملاحة البحرية والتنقل العابر وعبور السفن التجارية وغيرها، في تصرف غوغائي وقرصنة سافرة لم يشهد لها العالم مثيلاً.
وفي المقابل تقوم الولايات المتحدة بفرض حصار بحري على الموانئ والسفن الإيرانية المارة عبر المضيق مانعة بذلك إيران من تصدير نفطها، ومانعة قِطع أسطولها البحري العسكرية المتبقية من المرور عبر المضيق، في ردة فعل استراتيجية حاسمة، على ما تقوم به إيران من قرصنة وأعمال «بلطجة» على مياه الخليج العربي وفي مضيق هرمز.
ورغم الذي ذكرته دول غربية بأن المضيق ليس مهماً لمصالحها الاقتصادية في الخليج العربي، فإن واقع الحال يشير إلى غير ذلك، فأهمية المضيق الاقتصادية، تكمن في النفط بصفة أساسية، حيث تمر عبره حوالي 20 بالمائة من واردات دول العالم من نفط دول الخليج العربي، خاصة بالنسبة لدول أوروبية عدة.
لكن النفط ليس هو العنصر الاقتصادي الوحيد المشترك، الذي تمر تجارته عبر مضيق هرمز، بل إن السلع التجارية الآتية من الولايات المتحدة وأوروبا تشكل عنصراً تجارياً يمر بكميات ضخمة عبر المضيق لا تقل أهمية عن النفط.
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فمؤشرات عدة تدل على اعتمادها على النفط المستورد من مناطق متعددة حول العالم من بينها دول الخليج العربي الذي يتوقع على مدى المستقبل أن تزيد النسبة المصدرة منه إلى الولايات المتحدة.
إن أهمية مضيق هرمز لا تقتصر على دول الغرب فقط، بل هي تمتد لكي تطال دول كثيرة في آسيا وأفريقيا، فالصين تستورد حوالي 80 بالمائة من احتياجاتها النفطية من المنطقة، بما فيها إيران ذاتها، وتستورد اليابان حوالي 70 بالمائة من احتياجاتها والهند ودول آسيوية أخرى كجمهورية كوريا الشقيقة ودول شرق وجنوب شرق آسيا وأستراليا ودول أفريقيا، فحدث ولا حرج.
ودول الخليج العربية ذاتها تعتمد على المضيق في صادراتها النفطية ووارداتها من السلع التجارية المتعددة، وأربع دول عربية هي دولة الكويت ومملكة البحرين والعراق وقطر هي دول ليس لديها منافذ بديلة مباشرة على البحار والمحيطات، دون أن تمر تجارتها العالمية النفطية وغير نفطية بمضيق هرمز، ما يجعله منفذاً بحرياً عالمياً مهماً للجميع.
لذلك، فإن أهمية المضيق السياسية والاستراتيجية مرتبطة في جذورها بأهميته الاقتصادية والتجارية وبما يمر عبره من أصناف التجارة العالمية الداخلة التي تحتاج إليها دول الخليج العربي بما فيها إيران ذاتها، بالإضافة إلى الدول العربية السبع.
وهذا الارتباط ليس سطحياً ولا عابراً، لكنه في صميم المسألة، لأن الاقتصاد هو الذي يتحكّم في المسائل الأخرى ويحركها، وهو عصب ما تتخذه الدول في سلوكها السياسي والاستراتيجي.
ولو نظرنا إلى المشكلة القائمة حالياً من زاوية سياسات الولايات المتحدة الأميركية بالذات حيالها، بالحصار والحشود العسكرية الضخمة من حاملات طائرات وسفن بحرية ومشاة البحرية (المارينز) وغيرها، فإن المسألة تبدو واضحة بأن أهمية المضيق بالنسبة لها كبيرة جداً، وبأن العنصر الحاسم في المسألة هو المصالح الاقتصادية الضخمة، فعندما يرفع كل من الاقتصاد والتجارة راياته صوب منطقة ما تأتي المصالح السياسية والاستراتيجية هي الأخرى لكي ترفع راياتها في نفس الاتجاه، وتسير خلف المصالح الاقتصادية والتجارية مشهرة سيوفها للدفاع عنها.
هكذا علمتنا التجربة الإنسانية عبر مسارها الطويل.
*كاتب إماراتي