برغم اتفاق الحزبين «الجمهوري» و«الديمقراطي» على ضرورة اتخاذ إجراءات بشأن الذكاء الاصطناعي، إلا أنه من الضروري التحرك بشكل أسرع، فنحن ننتمي إلى حزبين مختلفين، وكلانا قد أشرف على سياسات الذكاء الاصطناعي في ظل رؤساء مختلفين تماماً، وها نحن نتفق على أمر واحد، أن الذكاء الاصطناعي قد أصبح قوياً إلى الحد الذي يشكل خطراً فورياً على الأمن القومي، فالدولة تفتقر إلى خطة قوية لحمايتها من المخاطر المحتملة لهذه التكنولوجيا.
ورغم وجود خطوات واضحة يمكن للحكومة اتخاذها وتحظى بدعم الحزبين، إلا أن واشنطن تفتقر إلى الشعور بضرورة التحرك العاجل، ومع استمرار الوضع الحالي، فإن أنظمة الذكاء الاصطناعي ستتجاوز قدرة الحكومة الأميركية على إدارة التطور. ونعتقد أن بإمكان الولايات المتحدة تجنب هذا من خلال تبنٍ سريعٍ لمخطط استراتيجي للذكاء الاصطناعي يمكن لقادة مختلف الأطياف السياسية دعمه.
وليس من المبالغة القول بأن الذكاء الاصطناعي مرشح لأن يكون واحداً من أهم التقنيات في تاريخ الجنس البشري، ففي حين كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي في بداية رئاسة بايدن لا تكاد تصيغ فقرة بشكل متماسك، أصبحت الآن تتفوق على خبراء من البشر في كثير من الاختبارات، ونتوقع أن تستمر تلك الأنظمة في التحسن ومساعدة الباحثين على تصميم أنظمة أكثر قوة مما سيسرع من وتيرة تقدمها.
فأنظمة مثل النموذج التجريبي «كلود ميثوس» من شركة «أنثروبيك» و«شات جي بي تي 5» من شركة «أوبن إيه أي» قد أظهرت القدرة على اكتشاف ثغرات في التطبيقات الأساسية التي يتم العمل بها منذ عقود دون ملاحظة وجود تلك الأخطاء، وقد تخترق تلك الأنظمة البرمجيات الحيوية والبنية التحتية في مختلف أنحاء الولايات المتحدة مما يهدد شبكات الكهرباء وأنظمة تكنولوجيا المعلومات في المستشفيات والأنظمة المصرفية.
وتتمتع أنظمة الذكاء الاصطناعي بقدرات قوية ومتنامية في علوم المواد وتطوير البرمجيات والعمليات الصناعية. وكلها عناصر أساسية لتصميم وإنتاج مختلف أنواع الأسلحة الجديدة. وفي الصراع الأوكراني، يُمكّن الذكاء الاصطناعي الأسلحة نفسها من أن تكون أكثر استقلالية. وخلال عملنا في الحكومة، سعينا إلى حث الولايات المتحدة على استخدامه بشكل أكبر مع وضع ضوابط مناسبة.
وتمتلك الصين طموحات موثقة لاستخدام الذكاء الاصطناعي لتحقيق تفوق عسكري واستخباراتي. ولو ابتكرت برنامج «ميثوس»، لكانت استخدمته لاكتشاف نقاط الضعف في أنظمة الحكومة الأميركية والبنى التحتية الحيوية، وكانت بلا شك ستستخدم الذكاء الاصطناعي لتعزيز قدراتها القتالية وتهديد القوات الأميركية. إلا أن الولايات المتحدة تتفوق في هذا المجال حتى الآن بحيث تنتج ما يقارب من مئة ضعف القدرة الحاسوبية التي تنتجها الصين، كما تدرب جميع أنظمة الذكاء الاصطناعي في العالم على رقائق أميركية الصنع، بعضها يتم تهريبه إلى الصين، ولو حافظت الولايات المتحدة على تفوقها في القدرة الحاسوبية فبإمكانها مواصلة قيادة العالم في مجال الذكاء الاصطناعي.
وللحفاظ على هذا التفوق يتعين على الحكومة الأميركية تشديد الضوابط على التقنيات الحيوية تطبيق قيود على تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة، والتصدي لعمليات التهريب، وأيضاً تشديد الرقابة على معدات صناعة الرقائق، وفي ذات الوقت يتعين على الولايات المتحدة التعاون مع الصين وغيرها من المنافسين بشأن المخاطر الكارثية التي تهدد المجتمع بأسره، مثل احتمال استخدام الإرهابيين لأسلحة بيولوجية مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وأثناء سعي القادة إلى حماية التفوق التكنولوجي الأميركي، ينبغي عليهم أيضاً وضع ضوابط مناسبة لتطوير الذكاء الاصطناعي، فيجب على الكونجرس فرض عمليات تدقيق على ادعاءات وإجراءات السلامة لدى مطوري الذكاء الاصطناعي، على أن تُجرى هذه التدقيقات من قبل هيئات مستقلة تحت إشراف الحكومة، كما يتعين على المشرعين الفيدراليين حماية سلامة الأطفال من خلال تحديد حدود عمرية وأنظمة رقابة أبوية، وقد يضطر الكونجرس أيضاً إلى التعامل مع مخاطر فقدان الوظائف أو تراجع قيمة العمل والإبداع البشري بسبب الذكاء الاصطناعي، حتى وإن كانت هذه الآثار لا تزال افتراضية إلى حد كبير في الوقت الراهن.
لم تبدأ الحكومة بعد في التعامل مع تطور الذكاء الاصطناعي. وقد أنشأت إدارة بايدن معهد سلامة الذكاء الاصطناعي، الذي يحتل مكانة بارزة في خطة عمل إدارة ترامب للذكاء الاصطناعي، لكنه ظل دون مدير لفترة طويلة، كما أنه بحاجة ماسة إلى موارد وخبراء إضافيين. وقد كان أداء الكونغرس أقل من إدارة ترامب، إذ لم يُصدر أي قانون لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي أو للتحكم في وصول الصين إلى تلك التكنولوجيا.ويُعد التوافق بين الحزبين ضرورة استراتيجية في ملف الذكاء الاصطناعي. فرغم أن أرضية التفاهم المشتركة ليست شاملة، إلا أنها حقيقية وقابلة للبناء عليها. فكل طرف يرغب في بذل المزيد بطريقته الخاصة. وعلى أعضاء الحزبين البدء في العمل دون تأخير.
دين بول*
*زميل أول في مؤسسة الابتكار الأميركي، شغل منصب كبير مستشاري السياسات للذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة في مكتب سياسة العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض عام 2025.
بن بوكانان**
** أستاذ مساعد في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، ومستشار لشركات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، شغل منصب المستشار الخاص للبيت الأبيض لشؤون الذكاء الاصطناعي خلال إدارة بايدن.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»