لا يمكن فهم العدوان الإيراني الآثم الأخير على الإمارات إلا بصفته ردة فعل يائسة على بلد أثبت أنه من البلدان القليلة في العالم التي ضمنت الطريقَ إلى المستقبل، من خلال استثمارها في عناصر القوة الجديدة، مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة واقتصاد الحياة. وبخصوص الذكاء الاصطناعي، لا نحتاج إلى بيان أنه في طور تغيير معادلة الوجود الإنساني في جوانبها المختلفة، وبصفة خاصة ما يتعلق بنمط العمل والإنتاج التقني والنظام الاقتصادي والحقل العسكري والأمني.
ما يحدث راهناً مع الثورة الروبوتية هو أنه لأول مرة تصبح الآلة قادرة على تعويض الجسد البشري. في اليابان والصين وكوريا، أنتجت الشركات الصناعية أكثر من مليون إنسان آلي في السنة المنصرمة، وقد وُكلت إلى هذه الروبوتات عدد من المهام الأساسية، من بينها وظائف العمالة التقنية والتحليل المالي والحراسة والعلاج الطبي... وهو اتجاه في طور النمو السريع، وسيظهر قريباً جيلٌ جديدٌ من الروبوتات قادر على محاكاة المشاعر الإنسانية العميقة من فرح وقلق وغضب، بما يتجاوز القدرات الحسابية التقليدية للروبوتات الصناعية.
وغني عن البيان أن الذكاء الاصطناعي يشكل عنصراً رئيسياً من عناصر القوة في المستقبل، وقد استثمرت فيه الإماراتُ استثمارات هائلةً من خلال برامج محلية وشراكات خارجية عديدة.
أما الطاقات المتجددة، فهي في صلب الحضارة الصناعية الجديدة، وستحتل مكانَ النفط الذي أخذ موقعَ الفحم في الموجة التقنية الأولى. والأمر هنا يتعلق بالطاقات النظيفة الشمسية والهوائية والمائية التي ستغير نوعياً في المدى المنظور شكلَ الاقتصاد العالمي. ولا بد من الإشارة هنا إلى العلاقة العضوية بين الطاقات المتجددة والذكاء الاصطناعي في الثورة التقنية الراهنة.. فوفق المعطيات الحالية، تضاعفت نسبةُ الطاقة الشمسية والهوائية قرابةَ ثلاث مرات في السنوات الخمس الأخيرة، رغم أن البترول ما زال يمثل ما يزيد على 86 بالمائة من الاستهلاك العالمي للطاقة. إلا أن التوجهات المستقبلية تفرض الإسراعَ في مسار التحول الطاقي في الدول الصناعية المتقدمة.
ومع أن الإمارات من البلدان النفطية الرئيسية، إلا أنها كانت سبّاقة إقليمياً ودولياً نحو الاستثمار في الطاقة النظيفة، تحضيراً للانتقال إلى المصادر الجديدة للطاقة التي ستكون حاسمة في تشكيل اقتصاد المستقبل. أما «اقتصاد الحياة» فمفهوم نستمده من المفكر الاقتصادي والاستراتيجي الفرنسي جاك أتالي، ويعني به النشاط الاقتصادي الذي يتمحور حول ما يحمي الحياة الإنسانية ويحسِّنها ويمنحها القوةَ والاستمرار. فإذا كان الاقتصاد الكلاسيكي قائماً على الصناعة المادية والشبكات المالية والطاقة الأحفورية، فإن اقتصاد الحياة المستقبلي يقوم على الصحة والوقاية والنظافة والتجارة والتربية والإبداع والاتصال الرقمي والنقل العمومي والضمان الاجتماعي. وحسب المعلومات التي يقدّمها أتالي، فقد أصبحت هذه القطاعات تحتل ما بين 40 و70 بالمائة من الدخل الخام العالمي، وما بين 40 و70 بالمائة من سوق العمل، ومن المؤمل أن تتضاعف هذه الأرقام في المدى المنظور.
في الماضي، كانت القطاعات التي يتشكل منها اقتصاد الحياة ترتكز أساساً على الخدمات، وبالتالي لا دور لها في عملية النمو الاقتصادي. وفي المستقبل القريب ستكون هذه القطاعات هي دعامة النمو والإنتاجية. فمنذ الأزمة الصحية العالمية الخطيرة التي مرَّ بها العالَمُ قبل خمس سنوات (وباء كورونا)، ظهرت الحاجة الماسة إلى الاستثمار الواسع في اقتصاد الحياة، لا من حيث كونه عبئاً على النشاط الاقتصادي وإنما بوصفه أفقاً جديداً للنمو الاقتصادي.
وغني عن البيان أن الإمارات في طليعة بلدان المنطقة من حيث الاستثمار الواسع في القطاعات الاجتماعية والإبداعية، ضمن منظور الاقتصاد التضامني الذكي الذي هو دعامة القوة في المستقبل.
وفي المنظور الجيوسياسي، نستعيد التمييزَ الشهيرَ الذي بلوره عالم السياسة الأميركي جوزف ناي بين القوة الخشنة، المتعلقة بالقدرات العسكرية والحربية، وبين القوة الناعمة التي تضمن التأثير دون الحاجة إلى الإكراه والعنف، وتقوم أساساً على الديبلوماسية والثقافة والإعلام والصورة الخارجية. وحسب ناي، فسيزداد حجمُ القوة الناعمة في الصراعات الاستراتيجية المستقبلية على حساب القوة العسكرية التي ستكون محصورةً في الفاعلية الردعية. ولا شك في أن الإمارات أثبتت في الأزمة الأخيرة حجم قوتها الناعمة، فلم تتأثر صورتها وجاذبيتها الخارجية بحملات التشويه الإعلامي والاعتداءات العسكرية السافرة.
خلاصة الأمر، أن المعركة المحتدمة راهناً على الصعيد الإقليمي تدور حول من يمتلك عناصر القوة المستقبلية، في عالم تغيرت كل محدداته التقنية والاقتصادية والجيوسياسية، ولا شك في أن الإمارات ضمنت طريقَها إلى النجاح في كسب التحديات المقبلة.
*أكاديمي موريتاني