هل انتهى مفهوم الأمن القومي العربي؟ ربما لم يعد هذا السؤال دقيقاً؛ لأنه يفترض أن ما كان قائماً ما زال صالحاً للنقاش بالصيغة نفسها. السؤال الأهم اليوم هو: هل ما زلنا بحاجة إلى هذا المفهوم كما صيغ في أدبيات القرن الماضي؟ هنا تبدو الإجابة أقرب إلى النفي. ليس لأن فكرة الأمن المشترك فقدت أهميتها، بل لأن أدواتها، وحدودها، ومنطلقاتها تغيّرت جذرياً.العالم لم يعد كما كان. لم تعد الجغرافيا وحدها تصنع التحالفات، ولم تعد القومية إطاراً كافياً لبناء منظومات أمن فعّالة. ما نشهده اليوم هو إعادة تعريف شاملة لمفهوم الأمن ذاته: لم يعد يقتصر على حماية الحدود، بل أصبح يشمل أمن الطاقة، وسلاسل الإمداد، والأمن السيبراني، والتفوق التكنولوجي، وحتى القدرة على إدارة الأزمات المعقدة. في هذا السياق، لم يعد الانتماء اللغوي أو التاريخي هو المحدد الأول، بل القدرة على الإسهام في منظومة أمنية مرنة، سريعة التكيّف، وقادرة على الردع.
التجربة الأخيرة في الخليج، خصوصاً في ظل العدوان الإيراني، كشفت بوضوح حدود النموذج التقليدي. لم تتحرك «الأمة» بوصفها كتلة واحدة، ولم يظهر ذلك التماسك الذي افترضته أدبيات الأمن القومي العربي لعقود. ما تحرك فعلياً هو الدولة القادرة، التي تملك مؤسسات قوية ورؤية واضحة، والتحالفات التي بُنيت على أسس عملية لا شعاراتية. الرد لم يكن عربياً جامعاً، بل كان نتاج شبكات من الشراكات الفعلية، من الإقليم ومن خارجه، حيث تتلاقى المصالح وتتوفر الأدوات.
هذا التحول لا يعني فشل الفكرة بقدر ما يعني تجاوزها. فمفهوم الأمن القومي العربي نشأ في سياق تاريخي مختلف، حين كانت التحديات تُفهم من منظور الصراع العسكري التقليدي، وكانت الدولة الوطنية في طور التشكّل. أما اليوم، فالدول التي نجحت هي تلك التي أعادت تعريف أمنها انطلاقاً من الداخل: بناء اقتصاد متنوع، علاقات دولية ذكية وعقلانية مبنية على المصالح، تطوير قدرات دفاعية متقدمة، الاستثمار في التكنولوجيا، وتعزيز تماسكها الاجتماعي. هذه هي الأسس التي تصنع القوة، لا مجرد الانتماء إلى إطار جغرافي أو ثقافي واسع.
البديل الواقعي اليوم ليس ترميم مفهوم قديم، بل الانتقال إلى نموذج أكثر مرونة وبراغماتية. تحالفات تُبنى حول ملفات محددة: حماية الممرات البحرية، ضمان استقرار أسواق الطاقة، تطوير أنظمة الدفاع الجوي، مواجهة التهديدات السيبرانية، والتعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة. هذه التحالفات لا تُقاس بمدى تشابه الدول ثقافياً، بل بمدى تقاطع مصالحها وقدرتها على العمل المشترك بفعالية. قد تضم هذه التكتلات دولاً من خارج الإطار العربي، لكنها تكون أكثر قدرة على الفعل والتأثير من أي إطار تقليدي واسع لكنه عاجز.
وفي قلب هذا التحول، تبرز الدولة الوطنية بوصفها حجر الأساس. فهي التي تقرر، وهي التي تبني، وهي التي تختار تحالفاتها وفق حسابات دقيقة لا وفق اعتبارات عاطفية. الدولة القوية اليوم هي التي تعرف كيف تدير توازناتها، وتبني شبكة علاقات متعددة الاتجاهات، وتستثمر في قدراتها الذاتية قبل أن تبحث عن مظلة خارجية. لم يعد ممكناً الاتكاء على مفاهيم عامة دون امتلاك أدوات حقيقية.
الأمن اليوم لم يعد شعاراً جامعاً بقدر ما هو منظومة معقدة من المصالح المتقاطعة. إنه يُبنى في الموانئ كما يُبنى في المختبرات، وفي مراكز البيانات كما يُبنى في قواعد الدفاع. إنه أمن اقتصادي بقدر ما هو عسكري، وأمن معرفي بقدر ما هو جغرافي. ومن لا يدرك هذا التحول، سيبقى أسير مفاهيم لم تعد قادرة على تفسير الواقع، فضلاً عن تغييره.
لسنا، إذاً، أمام نهاية الأمن، بل أمام نهاية تعريفه القديم. الأمن لم يعد يُصاغ بلغة الشعارات الكبرى، بل بلغة القدرة والإنجاز. يُبنى حيث تتقاطع المصالح، لا حيث تتشابه الهويات. ومن يفهم هذه المعادلة، يستطيع أن يحجز موقعه في عالم يتشكل من جديد، لا ينتظر أحداً، ولا يعترف إلا بمن يملك أدوات القوة والتأثير. نحن عملياً أمام مرحلة سياسية جديدة تقوم على تحالف المصالح لا شعارات الماضي!
*كاتب وإعلامي إماراتي