عندما ترتفع وتيرة الأعمال العسكرية، وتتجاوز الصراعات القواعد الثابتة للاشتباك، وتلجأ دولة تُدير الإرهاب المنظّم إلى توسيع دائرة العدوان وتهديد الممرات الحيوية واستهداف الدول المسالمة، تنكشف الفوارق بين دولة تُدار بمنطق السيادة والقرار الاستراتيجي الواضح، ونظام تُديره ازدواجية مزمنة بين حسابات الدولة ومتطلبات المشروع العقائدي، ويحوّل التوتر الإقليمي إلى أداة نفوذ وبقاء.
ولهذا لم يكن بيان وزارة الخارجية الإماراتية مجرد ردٍّ دبلوماسي على التصريحات العدائية الإيرانية، بل تجسيداً لمنهج سيادي يكشف طبيعة المواجهة الأعمق في المنطقة: مواجهة بين دولة جعلت التوازن والأمن جزءاً من عقيدتها السياسية، ونظام لا يزال عاجزاً عن الانفصال عن منطق الأزمات الدائمة.
فقد كرّس البيان الإماراتي قاعدة حاسمة: أن علاقات الإمارات وتحالفاتها الدولية ليست مجالاً للوصاية أو الابتزاز السياسي، بل امتداد لحق الدولة في حماية أمنها الوطني وصون استقلال قرارها، ضمن نظام دولي تُقاس فيه شرعية الدول بقدرتها على ممارسة سيادتها، لا بالخضوع لمنطق التهديد وفرض الإرادة بالقوة.
غير أن فهم السلوك الإيراني يتطلب تجاوز اختزاله في «تصعيد سياسي» عابر، لأن جوهر المشكلة لا يرتبط بخطاب متشدد أو مواقف ظرفية، بل ببنية قرار تحكمها ازدواجية مزمنة بين حسابات الدولة ومتطلبات المشروع العقائدي. ولهذا تتحرك السياسة الإيرانية ضمن مسارين متداخلين: دبلوماسية تفاوض تسعى إلى تخفيف الضغوط والعزلة، ومنظومة أمنية - عقائدية ترى في التصعيد الدائم وسيلة لحماية حضورها الإقليمي وإعادة إنتاج شرعيتها.
ومن هنا لا تبدو التناقضات في التصريحات الإيرانية مجرد تباين في اللغة السياسية، بل انعكاساً لانقسام داخل بنية القرار نفسها، بين دولة تدرك كلفة العزلة، ومنظومة عقائدية ترى في الأزمات المستمرة شرطاً لاستمرار التأثير. ولم يرتبط التمدد الإيراني خلال العقود الماضية ببناء منظومات تكامل سياسي واقتصادي، بل بتآكل الدولة الوطنية، وصعود الميليشيات العابرة للحدود، وتحويل الانقسامات الداخلية إلى أدوات نفوذ. ولهذا لم تَعُد الفوضى نتيجة جانبية للسياسة الإيرانية، بل جزءاً من آلية إنتاج النفوذ الإقليمي. ولهذا لم يَعُد توصيف الإرهاب في السلوك الإيراني مرتبطاً بأفعال معزولة أو جماعات هامشية، بل ببنية نفوذ منظمة تستخدم الميليشيات والبيئات الهشة كأدوات تأثير إقليمي. ويقود «الحرس الثوري» و«فيلق القدس» هذه المنظومة عبر شبكات ضغط عسكرية وأمنية وسياسية واقتصادية ارتبط حضورها بإضعاف الدول واستنزاف تماسكها الداخلي.
وفي هذا السياق، لا يبدو العداء الإيراني تجاه الإمارات أمراً عارضاً، فالإمارات تُمثِّل نموذج دولة يناقض الأساس الذي يقوم عليه المشروع الإيراني في المنطقة. فبينما بَنَت الإمارات نفوذها عبر التنمية والانفتاح الاقتصادي وكفاءة المؤسسات، ارتبط النفوذ الإيراني بالإرهاب والفساد وإدامة الصراعات الإقليمية. ولهذا لا تبدو التهديدات المرتبطة بالطاقة وخطوط التجارة الدولية أحداثاً منفصلة، بل امتداداً لمحاولة إبقاء أمن المنطقة رهينة للأزمة الإيرانية ومنطق التوتر الدائم. لكن المفارقة الكبرى أن هذا السلوك بدأ يكشف مأزق النموذج الإيراني أكثر مما يُثبت قوته. فالدولة التي تحتاج باستمرار إلى تصعيد التهديد للحفاظ على حضورها الإقليمي، تكشف عجزها عن إنتاج النفوذ عبر مسارات التأثير الطبيعي. كما أن الجمع الدائم بين التفاوض والتصعيد يؤدي تدريجياً إلى تآكل المصداقية ورفع احتمالات سوء التقدير الاستراتيجي.
وفي المقابل، تكشف التجربة الإماراتية أن النفوذ الأكثر رسوخاً لا يُبنى بتوسيع الأزمات، بل بقدرة الدولة على منعها، وهو ما جسّدته الإمارات في نموذج مختلف لمعنى السيادة الحديثة، حيث لا تُقاس القوة فقط بالقدرة على الرد، بل بقدرة الدولة على الحفاظ على وضوح قرارها واستمرار فاعلية مؤسساتها وثقة الداخل والخارج بها حتى في أشد لحظات الضغط.
ولهذا، فإن أخطر ما تواجهه الأنظمة المرتبكة ليس التحديات الخارجية وحدها، بل وجود نموذج مستقر تُمثِّله الإمارات، يُثبت أن الاستقرار في الشرق الأوسط ليس استثناءً مؤقتاً، بل نتيجة دولة نجحت في تحويل السيادة من شعار سياسي إلى قدرة مستمرة على إنتاج التماسك والثقة خلال الأزمات، والحفاظ على فاعلية مؤسساتها واستمرار مشروعها الوطني وسط بيئة إقليمية مضطربة.
*كاتب وباحث إماراتي