إذا كان الواقع يُبنى ولا يُعطى كما أبرزت الدراسات الإبستمولوجية المعاصرة، فإن تساؤلنا في هذه الفسحة الثقافية يتناول بإجمال شديد ثلاثة أسئلة فرعية: كيف تشكّل مفهوم الواقع عند ابن رشد؟ وكيف عالج هذا المفهوم؟ وما آثار هذه المعالجة على مدينته التي عاش فيها؟
لا يمكن فهم الواقع عند ابن رشد دون ربطه بالرمز الكبير الذي أشاد به مثقفو العصر وعلماؤه، أقصد المهدي بن تومرت، فرغم أن دومنيك أورفوا يعتقد أن عالم المرابطين والموحّدين الثقافي عالمان ليس بينهما كبير مباينة، فإن اعتداد ابن تومرت بالعقل في التوحيد، على خلاف خصومه، والانتصار للأشعرية، وخاصة للمتن الغزالي الذي كان أول من أدخله إلى الأندلس ورغّب الناس في قراءته، ورفعه شعار الاجتهاد في الفقه في نجوة عن المذاهب الفقهية، حتى وجدنا بعض أبنائه وحفدته قد أزمعوا على تجفيف ينابيع الفقه المالكي من الأندلس، فضلاً عن المشاكل السياسية التي كان يعاني منها الموحدون مع خصومهم، سواء في الداخل مع ثورة المريدين وابن همشك، أو في الخارج مع محاولات اجتياح الأندلس وما عرف بحروف الاسترداد، كل أولئك عوامل مهمة لابد من استحضارها لفهم كيف تشكّل مفهوم الواقع عند الفقيه الفيلسوف.
ارتبط مصير ابن رشد منذ صباه بالموحدين فكرع من معين كُتب الشيخ السوسي المؤسس وبخاصة كتابه «أعز ما يطلب»، وأعجب به كثيراً، واعتبر طريقته في بلورة القول الشرعي طريقة جميلة لأنها ترتفع عن حضيض المقلدين وتنحط عن تشغيب المتكلمين، فهي طريقة وسط، وهي الطريقة التي سيكتب بها ابن رشد مؤلفاته الفقهية ويستلهمها في مؤلفه الكلامي «مناهج الأدلة» الذي ذكر فيه ابن تومرت.
كان ابن رشد يشكّل واقعاً يخدم مدينته التي وضعته، وهو كهل، في أكبر منصب فقهي، فكان قاضي القضاة، أو نائباً عن الحاكم الأعظم، كما يحب أن ينعت القاضي، وقد مكّنه القضاء والعدة الفقهية التي كانت معه من حفظ للموطأ، إلى معرفة عميقة بالتراث الفقهي كما يكشف عنه كتابه الفريد الذي جعله البعض ثالث ثلاثة أهم كتب في تاريخ الكتابة الفقهية: الرسالة للشافعي، وبداية المجتهد لابن رشد الحفيد، والموافقات للشاطبي. وقد حظي كتاب البداية بعناية فائقة من لدن الفقهاء عبر التاريخ الفقهي. ويقدم كتاب البداية في فهم الواقع دروساً كثيرة، وهو الكتاب الذي حظيتُ بصحبته لسنوات، الدرس الأول: الموضوعية العلمية في عرض آراء الفقهاء من خلال أسباب اختلافهم في المنطوق به في الشرع، ليضع بين يدي الفقيه سبارات الاجتهاد وقوانين النظر الفقهي، لقد كان ابن رشد يشتكي خلو عصره من المجتهد، فكان أن نذر نفسه لتحمل مسؤولية إيجاد المجتهد الذي لا ينبغي أن تخلو منه مدينة كما يقول. فكان هذا عنده إحساس رفيع بواقع يضمر ويضيع على أيدي عوّام الفقهاء. والدرس الثاني، وهو من أهم ما يكشف عنه بداية المجتهد عملُه على تأسيس مفهوم المصلحة، وقد كتبنا في ذلك مقالاً مفرداً، وقد كاد أن يرفضه باعتبار ما يترتب عنه من زيادة في الشرع، لكن ابن رشد رآه ضرورياً ضرورة واقعية لما يحققه من عدل عندما يوشك أن يضيع، ومن هنا الدّرس الثالث المتجلي في حرصه على تخليق الفقه ومعارضة بعض الفقهاء في أحكام فقهية يجفُّ فيها عندهم البعد الأخلاقي.
لقد كان إحساس ابن رشد بواقعه إحساساً كبيراً فنصب نفسه مدافعاً عنه بالقول في المسجد وبالكتابة الفقهية والفلسفية على السّواء. ولأهمية الفلسفة في بناء فقه الواقع عند ابن رشد فسحة أخرى.
*رئيس مركز الفلسفة في جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية