يشكّل اليوم الدولي للأسر، الذي يصادف 15 مايو من كل عام، مناسبة للتأكيد على أنه في ظل التحولات العالمية المتسارعة، بات تمكين الأسرة ضرورة استراتيجية تمس بصورة مباشرة قدرة الدول على الحفاظ على تماسكها الداخلي وتعزيز استقرارها المجتمعي والتكيف مع عالم سريع التغير، حيث إن الأسرة تمثل الحاضنة الأولى لتشكيل الإنسان، والإطار الأساسي الذي تُبنى من خلاله منظومة القيم والوعي والانتماء، بما يمنح المجتمعات قدرة على الاستمرار ومواجهة التحديات المستقبلية بكفاءة ومرونة. وفي الواقع، فإن الأسرة لم تعد وحدة اجتماعية تقليدية فقط، بل تحوّلت إلى عنصر فاعل في معادلة التنمية أيضاً؛ فكلما كانت الأسرة أقدر على أداء دورها التربوي والثقافي، كان المجتمع بدوره أقدر على مواجهة التحدّيات، وأكثر استعداداً للتكيّف مع التحوّلات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم. ولا يقتصر هذا الدور على التنشئة فحسب، وإنما يمتد أيضاً ليشمل بناء مهارات التفكير، وتعزيز روح المسؤولية، وغرس قيم الانتماء، بما ينعكس على جودة رأس المال البشري في المدى الطويل.
وفي هذا السياق، تتبنّى دولة الإمارات العربية المتحدة مقاربةً متقدمة تضع الأسرة في صميم رؤيتها التنموية باعتبارها شريكاً فاعلاً في صناعة السياسات، لا مجرد متلقية لها. ويتجلّى هذا التوجه عبر حزمة متكاملة من السياسات والمبادرات الهادفة إلى تعزيز التماسك الأسري، ودعم التوازن بين الحياة المهنية والأسرية، وتوفير بيئة تعليمية واجتماعية تسهم في تنشئة أفراد قادرين على التفاعل الإيجابي مع متغيرات العصر ومتطلبات المستقبل. ويعكس هذا النهج إدراكاً عميقاً بأن الاستثمار في الأسرة يمثل استثماراً طويل الأمد في الاستقرار والتنمية المستدامة، وليس مجرد استجابة مؤقتة لاحتياجات اجتماعية أو اقتصادية آنية ومتغيرة.
وتعكس هذه الرؤية ما تؤكده القيادة الرشيدة لدولة الإمارات العربية المتحدة، ممثلة في صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، الذي يؤكد على الدوام أن الأسرة تمثل خط الدفاع الأول في الحفاظ على القيم والهوية الوطنية؛ وهي دلالة تختصر مكانة الأسرة في التصور التنموي للدولة، بصفتها نقطة البداية في بناء الإنسان، وتعزيز التماسك المجتمعي.
ولا يقتصر دور الأسرة على البعد الاجتماعي فحسب، بل يمتد ليشمل أبعاداً استراتيجية أكثر عمقاً ترتبط ببناء اقتصاد قائم على المعرفة، وإعداد أجيال تمتلك مهارات التكيّف والتعلّم المستمر ومواكبة التحولات المتسارعة. فالمجتمعات التي تستثمر في الأسرة إنما تؤسس لقاعدة صلبة تعزز قدرتها المستقبلية على تحقيق النمو والاستقرار بالتوازي، كما ترفع من كفاءتها في مواجهة الأزمات والتحديات المختلفة بمرونة أكبر واستجابة أكثر فاعلية واستدامة على المدى الطويل.
ومع ذلك، فإن تمكين الأسرة في عالم متغيّر لا يخلو من تحدّيات؛ فالتطوّر التكنولوجي المتسارع، وتغيّر أنماط الحياة، والضغوط الاقتصادية، كلها عوامل تؤثر في طبيعة العلاقات داخل الأسرة، وقد تُعيد تشكيل أدوارها التقليدية؛ وهو ما يستدعي تطوير سياسات أكثر مرونة، قادرة على مواكبة هذه التحوّلات، وتعزيز قدرة الأسرة على التكيّف من دون أن تفقد تماسكها، مع الحفاظ على التوازن بين الانفتاح على العالم وصون الخصوصية الثقافية.
والحاصل أن نجاح السياسات الأسرية لم يعد يُقاس بقدرتها على توفير الحماية والدعم الاجتماعي فحسب، وإنما بمدى فاعليتها في تمكين الأسرة لتصبح عنصراً منتجاً ومؤثراً في المجتمع، وقادرة على التعامل مع التحولات والمتغيرات بثقة وكفاءة ووعي متجدد. ومن هذا المنطلق، يغدو الاستثمار في الأسرة خياراً استراتيجياً تتحدد على أساسه ملامح الاستقرار المجتمعي والاستدامة التنموية، وتُبنى عبره مقومات التنمية الشاملة والقدرة على مواجهة تحديات المستقبل بكفاءة أكبر.
إن اليوم الدولي للأسر لا يمثل مناسبة للاحتفاء بالأسرة ودورها المحوري فحسب، بل يشكل أيضاً فرصة لتجديد الوعي بأن قوة المجتمعات واستقرارها يبدأان من الأسرة بوصفها النواة الأولى لبناء الإنسان وترسيخ منظومة القيم والانتماء. وفي هذا السياق، تواصل دولة الإمارات ترسيخ نموذج تنموي متوازن يضع الأسرة في قلب أولوياته الاستراتيجية؛ انطلاقًا من قناعة راسخة بأنها الأساس الذي تنطلق منه مسارات التقدّم والتنمية، والضمانة الحقيقية لاستدامتها وقدرتها على مواجهة التحولات المستقبلية بثقة وكفاءة ومرونة، بما يعزز مكانة المجتمع واستقراره على المدى البعيد.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.