لطالما ساد في الفضاء العام العربي تساؤل قلق حول «عزلة» المثقف أو «إخفاق» النُّخبة في إحداث أثر ملموس في مسارات التحول الكبرى. الحقيقة أن المشكلة ليست في قلة الأفكار، بل في الفجوة الكبيرة بين نظريات النخبة التي تحلِّق في المثالية، وبين واقع الناس المليء بالصعوبات المعيشية. هذه النُّخب، التي تعلمت في أرقى الجامعات، كانت تتحدث لغة النظريات الكبرى، سواء تلك المستلهمة من هيجل وماركس وغيرهما، لكنها فشلت في تسويق أفكارها لأنها لم تُدرك أن الخطاب الفكري لا يعيش في الفراغ، بل يتغذّى من واقع الناس واقتصادهم اليومي. تمتدّ جذور هذا الفشل إلى بدايات القرن العشرين، حيث واجهتِ النخبُ الاستعمارَ بأفكارٍ نبيلة سرعان ما اصطدمت بواقع اقتصادي مرير حوَّل خطابها إلى صدى بعيد عن حياة الشعب. في العشرينيات والثلاثينيات،
تحدَّثت النخب عن الحرية والاستقلال، ورغم دورها في إيقاظ الوعي، بقيت معلّقة بين التحالف مع الزعامات التقليدية والانبهار بالحداثة الغربية، ما جعل نظرياتها تبدو «ترفاً مدينياً»، بينما كان الريف يَرْزَح تحت الفقر، فابتعد الشباب عنهم وانضموا إلى حركات أكثر راديكالية.
ومع صعود القومية العربية في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، تعمّقت المشكلة، إذ سعى المفكرون إلى نظرية سياسية تُعيد بناء الأمة، لكن الاقتصاد ظل أسيراً للتبعية، فبدت محاولاتهم أشبه بغطاء أيديولوجي لفشل تنموي.
اتسعت هذه الفجوة بشكل خطر في السبعينيات مع تداعي الأنظمة الاشتراكية، وتحوّل خطاب النّخب نحو «الإسلام السياسي» الذي حاول استبدال الوهم القومي بوعود دينية على أنها «حلولٌ سحرية». ورغم محاولة هذا التيار التقرب من الناس والترويج لـ «اقتصاد إسلامي»، إلا أنه عجز عن مواجهة التحديات الاقتصادية الحقيقية، فتحوّل إلى خطاب دعوي يُغذي الغضب لا يبني المشاريع، ويقوم على الاستغلال السياسي للدين، ما أضرّ بالمجتمعات العربية أكثر مما أفادها.
وحتى النّخب الجديدة، تخرجت في كبريات الجامعات وشهدت ثورات العولمة والحداثة، لكنها لا تزال تتحدث عن «الديمقراطية الليبرالية»، مستلهمة من فولتير ومونتسكيو وفوكوياما وهابرماس، وكأن شعوبها لا تغرق في الديون والفساد. والأجدى بها أن تبدأ من الأسفل، من المشكلات المحلية الأساسية، بدلاً من استيراد القوالب الجاهزة. لتغيير هذا الواقع لا بدّ أولاً من الإقرار بأن الخطاب النّخبوي العربي لا يزال أسيراً لثنائيات كبرى (أصالة/معاصرة، علمانية/دينية، رأسمالية/اشتراكية..)، بينما تواجه الشعوب انهيار الطبقة الوسطى وتوحُّش آليات الاستهلاك.. مع أن «المواطنة» في جوهرها هي عقد اقتصادي واجتماعي قبل أن تكون نصوصاً دستورية. هذا الانفصال جعل الفكر يبدو «لغة أجنبية» في نظر الفرد الذي يرى الكرامة حقاً في الرغيف كما هي حقٌّ في التعبير. كما أن النخبة اعتمدت أسلوب «التبشير» بدلاً من «التواصل»، وافتقر خطابها إلى الروح العملية التي تربط المبادئ الكبرى بالمصالح المباشرة للناس، ما خلق صورة ذهنية للمثقف على أنه يُتقن وصف الأزمة السياسية، لكنه يقف عاجزاً وصامتاً أمام انهيار العملة وغلاء الأسعار. لكي تنجح أي فكرة مستقبلاً، يجب أن يشعر الفرد أنها «تخصّه» وتحميه من غدر الحاجة.
إن استعادة دور النّخب تتطلب ثورة معرفية تجعل الاقتصاد السياسي هو المحرك الأساسي لأي طرح فكري، فالمجتمعات لا تتحرك بالأيديولوجيا وحدها، بل بالمشاريع التي تمنح حياتها معنىً وضماناً.
السياسة التي لا تضمن الخبز والكرامة معاً هي سياسة محكوم عليها بالفشل. وعليه، يجب أن تُكتب النظرية السياسية القادمة بمزيج من الحبر والواقع، لتخرج من دائرة التّرف الفكري إلى دائرة الفعل الذي يغيّر وجه المنطقة بعيداً عن الأوهام. وفي هذا السياق، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة كنموذج رائد استطاع بذكاء تجاوز هذه الأزمات التقليدية التي سقطت فيها النُّخب العربية سابقاً. لقد أدركت القيادة الإماراتية مبكّراً أن الفكر لا ينفصل عن التنمية، فعملت بعقلية الحداثة الحقيقية وروح القرن الحادي والعشرين. لم تنشغل الإمارات بالصراعات الأيديولوجية العقيمة، بل ركّزت على بناء اقتصاد معرفي متطوِّر، وربطت جودة الحياة والاستقرار والرفاهية بالهوية الوطنية.
ومن خلال هذا النّهج العملي، استطاعت الإمارات تحويل «النظرية» إلى «واقع ملموس»، فأثبتت أن النجاح الحقيقي يكمن في سدّ الفجوة بين طموحات القيادة واحتياجات الشعب، لتُصبح اليوم منارة للتقدم الذي يجمع بين التطور التكنولوجي وبين الحفاظ على الكرامة الإنسانية والازدهار المادي والمكانة المرموقة على خريطة النفوذ والقوة.
*كاتب إماراتي