مع إتجاه تكتل «الليكود» الإسرائيلي، وبمشاركة جميع أحزاب الائتلاف الحكومي نحو تقديم مشروع قانون لحل الكنيست والذهاب لانتخابات مبكرة، ستدخل إسرائيل مرحلة جديدة من المزايدات الحزبية. والموعد النهائي للانتخابات يتم تحديده خلال مناقشات لجنة الكنيست، وأنه من المتوقع الموافقة على مشروع قانون الائتلاف الحكومي لحل الكنيست.
ومع سيطرة الائتلاف الحاكم على العملية، سيواصل نتنياهو والحريديم «التيارات الدينية المتشددة» مساعيهم للتوصل إلى موعد متفق عليه للانتخابات، إلى حين إقرار قانون حل الكنيست قبل الموعد المحدد، في أواخر أكتوبر المقبل. وقد أقدم نتنياهو على تقديم مشروع قانون لحل الكنيست، بعدما أدرك أن الأحزاب «الحريدية» قررت تفكيك الائتلاف عقب قراره عدم تمرير قانون الإعفاء من التجنيد ومواصلة الحريديم احتجاجاتهم ضد الخدمة في الجيش عقب قرار المحكمة العليا بإلزامهم بالتجنيد، ومنع تقديم المساعدات المالية للمؤسسات الدينية التي يرفض طلابها الإنضواء في الخدمة العسكرية.
من الواضح من وجهة نظر نتنياهو أنه يمكنه تقديم هذه الخطوة على أنها قرار منسق ومسؤول من قادة الائتلاف، وليس هزيمة سياسية وهذه خطوة مهمة أخرى نحو تقديم موعد الانتخابات باعتبار أن الصراع الحقيقي يتركز حول الجهة التي ستقود هذه العملية سياسياً، وتحصد مكسب إسقاط الحكومة سيكون موقف الأحزاب «الحريدية» العامل الحاسم، إذ قد ترجح أصواتها كفة أحد المشروعين، ما يضع نتنياهو أمام تحد سياسي حقيقي للحفاظ على حكومته.
والسؤال هل ستتغير الخريطة الحزبية في إسرائيل قبل إجراء الانتخابات البرلمانية في أكتوبر المقبل لاعتبارات متعلقة بالواقع الحزبي، والذي يدور في الثوابت العامة لإسرائيل الحزبية؟.
أولها: أن «ليكود» لا زال في واجهة الأحزاب السياسية باعتباره الحزب القائد، والذي يوجه السياسات العامة للدولة وأنه مركز القوة الفعلي بصرف النظر عن الشخصيات القيادية، والتي أجرت عملية انتخابات داخلية وأفرزت جيلاً مختلفاً من القيادات من جيل الوسط ،الأمر الذي يؤكد أن «ليكود» بات محور ودائرة التوجيه للسياسة الحزبية في إسرائيل، ومن ثم فإنه سيظل في الواجهة بصرف النظر عن أي تغيير في الخريطة الراهنة.
ثانيها: أن تشكيل تحالف بين كل من يائير لابيد زعيم المعارضة ونفتالي بينيت رئيس الوزراء الأسبق لا يعني أن إسرائيل سوف تكون على موعد مع التغيير، خاصة وأن الشخصين لا يتفقان في كثير من الثوابت فيائير لابيد اختبر في مواقع مختلفة ولم يستطع أن يقنع الجمهور الإسرائيلي بأنه شخصية قادرة على أن تكون البديل في توقيت بالغ الأهمية الأمر الذي لم يقنع الجمهور الإسرائيلي بأنه رجل المرحلة، أو أنه يمكن أن ينافس رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بالفعل.
أما نفتالي بينيت فهو شخصية لا تحمل لوناً حقيقيا لليمين السياسي الجاد وليس مجرد أطروحات تساق في المعارك الانتخابية، كما أن فترة توليه كانت عابرة ولم يتوقف أمامها الجمهور الإسرائيلي. ثالثها: أن خروج رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو من الواجهة الحزبية، والتي تعمل تحت مظلة «ليكود» وارد، وذهابه لتشكيل كتلة لخوض المعركة الانتخابية والعودة مرة أخرى للتحالف مع «ليكود» أمر طبيعي، في حال استمرار المناكفات الحزبية لشخص نتنياهو من داخل «ليكود» ووجود بعض التحفظات على أسلوب تعامله مع قيادات الحزب خاصة من جيل القيادات الوسطى، التي باتت تعمل في دوائر محددة، ومن خلال دور مباشر لبعض الأسماء التاريخية في «ليكود»، والتي يمكن أن تتجاوز ما يجري من تطورات، الأمر الذي قد يدفعه لتجاوز أي إشكاليات من داخل الحزب الحاكم.
رابعها: تبقى الإشارة إلي الكتل الحزبية الأخرى وشخوصها من أمثال جولان يائير وبن غفير وسموتريش وغيرهم مجرد واجهات لكتل حزبية محدودة لا يمكن أن تتصاعد أدوارها وقيمتها، إنها مرجحة بالفعل في نطاق حزبي متعارف على تفاصيله، وبما يؤكد أن هذه الشخصيات بكتلتها الحزبية لن تتغير بالفعل، وإنما يمكن أن تساوم وأن تقوم بدور ترجيحي بالفعل في تشكيل الحكومة ولا تملك سوى لعب دور محدد كرمانة ميزان، وهو ما يدفع شخصيات مثل نفتالي بينيت أو حتى نتنياهو للتعامل المباشر والاستفادة من وجودهم في الترجيح الحزبي خاصة وأن الأحزاب الدينية مثل «شاس» تلعب دوراً تاريخياً معروفاً بحثاً عن دورها للحصول على مزيد من المكاسب الانتخابية، وأخيراً تبقى الأحزاب العربية أسيرة خلافاتها وصراعاتها المعتادة ما يؤكد أن الحل ليس في دخول الانتخابات المقبلة تحت مظلة واحدة تعمل في سياق تحالف واحد أو قائمة مشتركة خاصة.
ولهذا ستبدو أهم السيناريوهات المستقبلية المتوقعة قبل تمرير قانون حل الكنيست، تكمن في تفعيل قانون التصويت عليه أربع مرات في الهيئة العامة للكنيست والحصول على أغلبية مطلقة (61 صوتاً على الأقل) وإعادة ترتيب معسكر اليمين، حيث سيسعى نتنياهو لتوظيف الفترة الانتقالية وسن قوانين تعيينات جديدة لتعزيز موقفه الانتخابي، وإطالة مدة نفوذه الكبير في الساحة الحزبية في إسرائيل.
يمكن التأكيد إذا أن إسرائيل الحزبية لن تشهد إعصاراً، والاختيارات ستتم بين شخصيات سيئة معلوم تاريخها، وأن الاختيار الفعلي يمضي في سياق اختيار بين سيئ وأسوأ، ما يؤكد أن التغيير الحقيقي في إسرائيل سواء في مستوى الأشخاص التي يمكن أن تكون بديلاً لنتنياهو أو في مجمل السياسات العامة ليس وارداً ، وأن ما تواجهه إسرائيل من تحديات ومخاطر – حسب رؤية الأحزاب المتصارعة – يتطلب العمل بل، والاستمرار في دوائر مرسومة سياساتها جيداً.
*أكاديمي متخصص في الشؤون الاستراتيجية.