لم تكن قمة ترامب وشي في بكين مخصصة لإيران وحدها، لكنها وضعت طهران أمام رسالة يصعب تجاهلها. فبكين التي استقبلت الرئيس الأميركي وناقشت معه ملفات التجارة والتكنولوجيا والطاقة، لن تجعل مصالحها الكبرى مع واشنطن والاقتصاد العالمي رهينة لسلوك إيراني يهدد الملاحة والطاقة والمنشآت المدنية. هذه هي الحقيقة التي لا يريد النظام الإيراني قراءتها جيداً.

وجاء استهداف محطة براكة للطاقة النووية السلمية ليضع التصعيد في مستوى مختلف. فالأمر يتعلق بمشروع نووي مدني سلمي، وبأحد عناوين النموذج الإماراتي في الطاقة النظيفة والالتزام بالمعايير الدولية. واستهداف هذا النوع من المنشآت يتجاوز أي ضغط سياسي، لأنه يمسّ السلامة النووية الإقليمية وثقة المجتمع الدولي. المفارقة أن طهران تريد أن تفاوض العالم على أساس أنها دولة تبحث عن تسوية، بينما تمارس أو تسمح بسلوك يفتح أبواباً خطيرة على المنطقة.

من يستهدف محيط منشأة نووية سلمية، أو يهدد الممرات البحرية، يصعب أن يقدّم نفسه كطرف مسؤول في أي ترتيبات أمنية مقبلة. وهنا تكمن طبيعة المشكلة مع النظام الإيراني. مضيق هرمز يكشف الوجه الآخر لهذه المشكلة. إيران تحاول تحويل ممر دولي إلى ورقة ابتزاز دائمة، وتبحث عن صيغة تمنحها مظهراً قانونياً عبر الحديث عن هيئة أو ترتيبات أو رسوم عبور. لكن هرمز ليس ملكية إيرانية، ولا ممراً خاصاً تديره طهران وفق مزاجها السياسي. هو ممر دولي يتصل بأمن الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد. ومن يهدد السفن لا يصبح مسؤولاً عن سلامة العبور.

وفي مواجهة ابتزاز هرمز، يبرز تسريع الإمارات لمشروع خط الأنابيب الغربي الشرقي الجديد، الذي تنفذه «أدنوك» لمضاعفة قدرة التصدير عبر الفجيرة بحلول 2027. هذا المشروع لا يلغي أهمية المضيق، لكنه يقلّل الاعتماد عليه، ويعكس سياسة دولة تبني بدائلها بهدوء، ضمن رؤية طويلة المدى تربط أمن الطاقة بالسيادة الاقتصادية والبنية التحتية.

الصين تدرك هذه المعادلة جيداً. لديها نفوذ اقتصادي حقيقي على طهران بحكم الطاقة والتجارة والاستثمار، لكنها ستستخدم هذا النفوذ وفق مصالحها بعيداً عن أوهام إيران. بكين تريد الاستفادة من علاقتها مع النظام الإيراني، لكنها تريد أيضاً علاقات مستقرة مع واشنطن، وتدرك أن تعطيل هرمز أو تهديد منشأة مثل براكة يربك الاقتصاد العالمي ويضعها في موقع غير مريح. من هنا يصبح أي دور صيني في الملف الإيراني مشروطاً بالحسابات الكبرى.

إذا أرادت واشنطن من بكين ضغطاً أو وساطة، فالصين ستطلب ثمناً في ملفات أوسع. وإذا أرادت طهران حماية سياسية مجانية، فستكتشف أن بكين لا تخاطر بمصالحها مع العالم دفاعاً عن مغامرات لا يمكن تبريرها. كما أن إيران من الداخل تبدو في مرحلة ارتباك. فمحاولة ضبط العلاقة مع الصين عبر شخصيات مركزية مثل محمد باقر قاليباف تعكس حاجة النظام إلى تقليل تضارب الرسائل بين مؤسساته. غير أن هذا الضبط الإداري لا يعالج أصل الأزمة.

فإيران تجمع بين التفاوض والتصعيد، وبين طلب التهدئة وتهديد الممرات، وبين البحث عن اتفاق ومحاولة رفع كلفة الفوضى. درس 2015 يجب أن يكون حاضراً. أي اتفاق جديد يفصل الملف النووي عن أمن الخليج سيعيد إنتاج الخلل نفسه. فالتهديد الإيراني اليوم يتجاوز التخصيب إلى الصواريخ والمسيّرات والوكلاء وحرية الملاحة والمنشآت المدنية. لذلك يجب أن تكون دول الخليج جزءاً أصيلاً من أي ترتيبات مقبلة، وليس طرفاً ينتظر نتائج تفاوض يجري بعيداً عن مصالحه المباشرة.

وبعد رسالة بكين، تضيق مساحة المناورة أمام إيران. الصين حذرة، وواشنطن تضغط، والخليج يبني بدائله، والإمارات تثبت أن أمنها ومشروعها التنموي ليسا ورقة تفاوض. وإذا أرادت طهران تسوية جدية، فعليها أن تفهم أن زمن فصل الملف النووي عن أمن الخليج قد انتهى.

*كاتب إماراتي