أكدت الانتخابات التمهيدية التي جرت الثلاثاء الماضي في ثلاث ولايات أميركية أمراً كان معروفاً بالفعل عن الحزبين الرئيسيين. فـ«الجمهوريون» متّحدون في غالبيتهم خلف الرئيس دونالد ترامب. أما «الديمقراطيون» فلا يمكن القول إنهم «في حالة فوضى»، لكنهم بالتأكيد منقسمون، حيث لا تزال المؤسسة الحزبية والجناح التقدمي يخوضان معركة شرسة على هوية الحزب. 
وعلى مستوى الحزب الجمهوري، فقد انطلقت جولة ترامب الانتقامية جنوباً من إنديانا إلى كنتاكي، حيث أطاح بالنائب المتمرد توماس ماسي. وحقق إد غالرين، الضابط السابق في قوات البحرية ومرشح ترامب، فوزاً ساحقاً على النائب الذي شغل المنصب لسبع دورات بفارق عشر نقاط. وفاز غالرين في جميع المقاطعات، باستثناء مقاطعة لويس، مسقط رأس ماسي، ومقاطعة ماسون الصغيرة المجاورة. وتلاشت 14 عاماً من النفوذ السياسي في غضون أشهر قليلة على يد شخص مغمور، لكنه مدعوم من الرئيس، فيما يمثّل عبرةً لكل عضو جمهوري في الكونغرس.
كما تجلّت قوةُ الرئيس في معظم المنافسات الجمهورية البارزة الأخرى، حيث تَصدَّر مرشحاه لمنصب سيناتور ألاباما، النائب باري مور، وحاكم جورجيا، نائب الحاكم بيرت جونز، قائمةَ المرشحين في السباقَين، رغم أنهما لا يزالان يواجهان جولات إعادة قد تكون تنافسية. ويدرك الجمهوريون الساعون إلى المقاعد الشاغرة أن أسرع طريق لتحقيق طموحاتهم هو اتباع نهج الحزب الجمهوري المبتكر للفوز.
ولم يسبق لأي رئيس أميركي أن أظهر قدرةً مماثلةً على سحق خصومه ورفع شأن حلفائه. فقد حاول فرانكلين روزفلت في عام 1938، فشن حملةً انتخابية نشطة في سلسلة من السباقات ضد الديمقراطيين الذين عارضوا بعض مبادراته الرئيسية. وجاءت معظم النتائج على خلاف رغبته، مما قلّص نفوذه وردع الرؤساء اللاحقين عن محاولة إعادة تشكيل أحزابهم على صورتهم الشخصية. وربما يُعد نجاح ترامب، حيث فشل روزفلت، أعظم إنجازاته السياسية.
وقد يتمنى العديد من الديمقراطيين التقليديين وجود شخصية شبيهة بترامب تتمتع بالقوة الكافية لقمع التمرد المتنامي على الجناح اليساري للحزب. وقد حقق المرشحون المقربون من الحزب فوزاً ساحقاً يوم الثلاثاء، لكن اليسار أعلن انتصاره في أهم معركة. فقد فاز عضو مجلس النواب كريس راب، العضو في الاشتراكيين الديمقراطيين الأميركيين، بسهولة على عضو مجلس الشيوخ شريف ستريت، الرئيس السابق للحزب في الولاية، في الدائرة الثالثة بولاية بنسلفانيا، مما يُظهر أن اليسار يتقدم بقوة في معاقل الحزب.
وتُعد الدائرة الثالثة في بنسلفانيا أكثر الدوائر ميلاً للديمقراطيين في البلاد. وستُسفر مقاعد في تلك الدوائر عن اختيار عدد غير متناسب من المندوبين إلى مؤتمر الترشيح الرئاسي لعام 2028. فإذا استطاع عضو من الاشتراكيين الديمقراطيين الأميركيين سحقَ خصومه المدعومين مالياً، فبإمكان شخصية مماثلة، مثل النائبة عن نيويورك ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز، فعل الشيء نفسه على مستوى البلاد.
وجاء ذلك في أعقاب فوز مرشحين لمنصب الرئيس في بلديتي نيويورك وسياتل، ممن يتشاركون نفسَ التوجهات الأيديولوجية، العام الماضي، إضافة إلى الأداء القوي لمرشحي منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين الأميركيين في الانتخابات التمهيدية لمجلس النواب في إلينوي وكارولاينا الشمالية. كما أظهرت انتخابات مجلس الشيوخ الأميركي في ولاية مين، حيث أجبر مزارعُ المحار غراهام بلاتنر الحاكمةَ جانيت ميلز على الانسحاب من السباق رغم تصريحاتها السابقة المثيرة للجدل، حجمَ قوة التيار التقدمي. وكما يُدرك كل عضو جمهوري في الكونغرس أنه لا يمكنه معارضة ترامب بشكل آمن، يدرك كل عضو ديمقراطي في الكونغرس ومرشح رئاسي محتمل أن معارضة اليسار في حزبه علناً تُعرِّضه للخطر.ويُعتبر هذان التطوران دليلاً على أن الاستقطاب الحزبي يزداد حدةً في السياسة الأميركية ولا يتراجع. وسيؤدي ذلك بلا شك إلى زيادة نفور الناخبين الوسطيين من كلا الحزبين. وتُظهر استطلاعاتُ الرأي ارتفاعاً في نسبة المستقلين، وهو اتجاه تؤكده بيانات تسجيل الناخبين العام الحالي. ولا يزال العديد من هؤلاء المستقلين يميلون إلى أحد الحزبين، لكن كم منهم يرغب في خيارات سياسية جديدة تُمكّنه من الانتماء إلى حزب يشعر فيه بالراحة؟
وبالنظر إلى هيمنة نظام الحزبين في أميركا، يصعب في المرحلة الحالية تصور مسار واقعي لتحقيق ذلك. فالناخبون المنخرطون بشدة في الانتخابات التمهيدية الحزبية المغلقة في البلاد يواصلون مكافأة المرشحين الأكثر صخباً وغضباً، مما يجعل من الصعب تصور ظهور شخصية قادرة على إنهاء هذه السياسة السامة.لذا، تستمر العناصر الأكثر إثارةً للانقسام في كل حزب في اكتساب المزيد من القوة، ويخوض الحزبان الانتخابات العامة متعثرين على أمل أن يختارهم الوسطيون، حتى وإن كان ذلك بدافع اليأس. وبعبارة أخرى، تشير التوقعات قصيرة المدى إلى مزيد من الاضطرابات المقبلة. أما التوقعات طويلة المدى للبلاد فهي أقل وضوحاً.


*زميل بارز في مركز الأخلاقيات والسياسة العامة 


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن