على مدى العقد الماضي، وسّعت دول الخليج والصين تدريجيّاً تعاونها في مجالات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الخضراء. فقد دخلت السيارات الكهربائية الصينية إلى الأسواق الخليجية بأعداد متزايدة، وانتشرت مشاريع الطاقة الشمسية واسعة النطاق في أنحاء المنطقة، كما عمّقت صناديق الثروة السيادية الخليجية شراكاتها مع الشركات والمؤسسات المالية الصينية. وتُشكِّل هذه التطورات مجتمعة جزءاً من استراتيجية أوسع تركّز على التنويع الاقتصادي والتحول طويل الأمد في قطاع الطاقة.
غير أن أزمة مضيق هرمز الأخيرة سلّطت الضوء على مدى ارتباط هذا التحول باعتبارات الجغرافيا السياسية وأمن الطاقة. فقد أظهر اضطراب أحد أهم الممرات البحرية في العالم أنه رغم التوسع السريع في الاستثمارات المرتبطة بالطاقة المتجددة، لا يزال النفط والغاز يحتلان موقعاً محوريّاً في الاقتصادين الإقليمي والعالمي.ويعكس ذلك حسابات استراتيجية أوسع داخل دول الخليج. فمبادرات مثل استراتيجية الإمارات للحياد المناخي بحلول عام 2050 لا تقتصر على كونها برامج بيئية فحسب، بل تُمثل أيضاً استراتيجيات اقتصادية تهدف إلى الاستعداد لتحولات الطلب العالمي على الطاقة وتقليل الاعتماد طويل الأمد على عائدات الهيدروكربونات. وفي هذا السياق، برزت الصين كشريك محوري نظراً إلى دورها المهيمن في تصنيع تقنيات الطاقة المتجددة وسلاسل إمداد التكنولوجيا النظيفة.
وقد شهد توسُّع الصين في مجال الطاقة المتجددة نمواً كبيراً. ففي عام 2025 وحده، أضافت البلاد نحو 310 جيجاوات من قدرات الطاقة المتجددة، وهو ما شكّل غالبية إضافات الطاقة الجديدة خلال ذلك العام. وتنتج الشركات الصينية اليوم بعضاً من أكثر الألواح الشمسية والبطاريات وتوربينات الرياح والسيارات الكهربائية تنافسية من حيث التكلفة على مستوى العالم. وبالنسبة لدول الخليج التي تسعى إلى نشر مشاريع الطاقة المتجددة على نطاق واسع، فإن التعاون مع الصين يوفر مزايا صناعية ومالية كبيرة.
وفي الوقت نفسه، كشفت أزمة مضيق هرمز عمق الاعتماد المتبادل الذي يحكم هذه العلاقة. فما تزال الصين تعتمد بصورة كبيرة على صادرات الطاقة الخليجية، بينما تعتمد دول الخليج على الاستثمارات والبنية التحتية والتكنولوجيا الصينية لدعم جهود التنويع الاقتصادي. وبالتالي، فإن أي حالة من عدم الاستقرار الإقليمي تخلق مخاطر متزامنة للطرفين.
كما أعادت الأزمة تسليط الضوء على الدور السياسي للصين في الشرق الأوسط. فقد اعتُبرت رعاية بكين للتقارب السعودي الإيراني عام 2023 إنجازاً دبلوماسيّاً بارزاً ومؤشراً على تنامي انخراطها في شؤون المنطقة، إلّا أن الصراع الحالي يفرض بيئة أكثر تعقيداً. ومع تصاعد التوترات وتعثُّر المفاوضات مراراً، اكتفت الصين إلى حدٍّ كبير بالدعوات إلى ضبط النفس وخفض التصعيد، بدلاً من الانخراط في وساطة مباشرة.
كما أن سياسة الصين القائمة على عدم التدخل، إلى جانب انخراطها الواسع مع مختلف أطراف الخليج، تضع بكين في موقع الوسيط المحتمل. فمنذ اندلاع الصراع، دعت الصين مراراً إلى ضبط النفس والحوار. غير أن استمرار القيادة الإيرانية الحالية في تبنِّي نهج أكثر تشدداً، إلى جانب انهيار المفاوضات الدبلوماسية، يجعل احتمالات نجاح تهدئة تقودها الصين غير مؤكدة.
ولا تزال التداعيات طويلة المدى على الاستثمارات الخضراء الصينية، وكذلك على الجداول الزمنية للتحول لدى دول الخليج، غير واضحة. بيد أن ما أصبح جلياً هو أن التحول نحو الاقتصاد منخفض الكربون لم يَعُدْ من الممكن فصله عن الجغرافيا السياسية. فبالنسبة للصين وشركائها الخليجيين على حدٍّ سواء، أصبح التعاون الأخضر يعتمد على الاستقرار الإقليمي، بقدر اعتماده على رأس المال والبنية التحتية والتكنولوجيا أيضاً. 


*باحث - مركز تريندز للبحوث والاستشارات.