من أين تأتي الأموال التي تجعل مشروعاً سياسياً عابراً للحدود قادراً على تمويل المنابر، والجمعيات، والمراكز، والإعلام، وشبكات التجنيد؟ هذا السؤال يفتح الباب لفهم الطريقة التي تتحوّل بها الأفكار إلى مؤسسات، ثم تتحول بها المؤسسات إلى نفوذ، ثم يصبح هذا النفوذ قادراً على التأثير داخل مجتمعات الخليج ودوله.
فالشعارات لا تتحرك وحدها، والخطابات لا تنتشر بلا تمويل. وخلف كل مشروع نفوذ شبكة مال، وخلف كل شبكة مال سؤال أشد خطورة: من يدفع؟ ولمن تدفع الأموال؟ ومن يراقب مسارها؟
ما هي أموال الخُمس؟ في الفقه الشيعي الإثني عشري، الخمس هو مقدار الخمس من فائض أرباح الإنسان ومكاسبه السنوية بعد احتساب نفقاته ومؤونته، ويدفع عادة إلى مرجع التقليد أو إلى وكلائه المعتمدين. ويقسم الخُمس إلى نصفين: سهم الإمام المهدي، وسهم السادة، وهم المنتسبون إلى ذرية النبي (صلى الله عليه وسلم). ومن المفترض أن يوجّه المرجع سهم السادة إلى مستحقيه وفق الضوابط الشرعية، وأن يستخدم سهم الإمام، في زمن الغيبة، في ما يراه من مصالح الدين والمذهب، مثل دعم المدارس العلمية، وتعليم طلاب العلم، وبناء المؤسسات الدينية، وتمويل المشاريع الدعوية والخيرية، ونشر المعرفة الإسلامية. وهنا تحديداً تبدأ الحساسية، لأن المال لا يبقى مجرد عبادة فردية بين المكلَّف وربه، بل يتحوّل إلى مورد مالي واسع يدار عبر وكلاء ومؤسسات وشبكات دولية.
في هذا السياق يبرز الجدل حول أموال الخُمس باعتباره ملفاً مالياً وسيادياً بالغ الحساسية. فالخُمس في الوعي الشيعي عبادة مالية لها موقعها الديني، ويراها المؤمنون واجباً شرعياً مرتبطاً بالمرجعية الدينية والتكليف الشرعي. وفي دول الخليج، حيث توجد مجتمعات شيعية واسعة، يكتسب هذا الملف ثقلاً مضاعفاً. غير أن المسألة تتغير حين تتحوّل هذه الأموال إلى تدفقات نقدية خارج الأطر المصرفية، تنتقل عبر وسطاء ووكلاء مراجع في إيران وشبكات أخرى غير معلنة، فلا يعرف حجمها، ولا مسارها، ولا وجهتها النهائية.
أخطر ما في هذا الملف أن جزءاً كبيراً من هذه الأموال يتحرك نقداً. والنقد بطبيعته منطقة رمادية، لأنه لا يترك أثراً مصرفياً، ولا يكشف بوضوح هوية الدافع والمستلم، ولا يتيح تتبع المسار الكامل للمال. حين تمر الأموال عبر حسابات رسمية، تستطيع الدولة أن تراقب وتدقق وتفرض الإفصاح، وتمنع غسل الأموال أو تمويل الأنشطة المحظورة. أما حين تتحرك الأموال في المظاريف والحقائب والزيارات الخاصة، فإن قدرة الرقابة تتراجع، وتنشأ فجوة خطيرة بين حرية التدين وحق الدولة في حماية أمنها المالي والسيادي.
هنا يجب التفريق بوضوح بين المؤمن العادي الذي يتبرع بنية دينية صادقة، وبين الشبكات التي تستثمر هذا التدين في مسارات لا يعرفها الدافع ولا يملك السيطرة عليها. كثير من الناس يدفعون أموالهم مقتنعين بأنها ستذهب إلى الفقراء وطلاب العلم والخدمات الاجتماعية. لكن السؤال الذي لا يمكن الهروب منه يظل قائماً: ماذا يحدث بعد الدفع؟ من يقرر وجهة المال؟ هل يعرف الدافع النسبة التي تُصرف محلياً والنسبة التي تخرج إلى الخارج؟ هل تنشر تقارير مالية؟ هل توجد مراجعة حسابية مستقلة؟ الجواب، هو لا.
فالأخماس، بعد انتقالها إلى المرجعية الدينية، تُصبح فقهياً مجهولة المالك، فيتصرف بها المرجع وأبناؤه ومن حوله كما يشاؤون. وفي هذا المقام أتذكر أحد وكلاء المراجع في أميركا، حين استلم ظرفاً من أحد المصلين بعد صلاة الظهر، فوضعه في جيبه، ثم نظر إلىَّ مبتسماً وقال ساخراً: «إنا أنزلناه في الْجَيْبِ»
هذا هو جوهر الجدل حول توجيه أموال الخُمس إلى إيران، حتى داخل المجتمعات الشيعية نفسها. فإيران، بوصفها دولة تمتلك مشروعاً إقليمياً واسعاً، لا تتحرك في منطقة الخليج والمشرق العربي بالخطاب وحده. هي تحتاج إلى تمويل دائم: مراكز، ومؤسسات، ومنابر، وإعلام، ومنح دراسية، وشبكات دينية، وأذرع سياسية وأمنية.
جزء من هذا التمويل يأتي من موارد الدولة الإيرانية واقتصادها الرسمي وغير الرسمي. لكن المال الديني، حين يخرج من دائرة الرقابة، يصبح مورداً قابلاً للاستغلال، خصوصاً حين يرتبط بولاءات مرجعية. ولا ينبغي أن نغفل هنا حملات التبرع الواسعة التي شهدتها إيران والعراق ولبنان لصالح النظام الإيراني خلال الحرب الأخيرة والمستمرة، وما رافقها من فتاوى أو إجازات صادرة عن بعض مراجع التقليد تجيز استخدام أموال الخمس لدعم هذا المسار. وهذا وحده يكشف كيف يمكن للمال الديني، متى غابت عنه الرقابة، أن يتحول من عبادة مالية إلى أداة تمويل سياسي تخدم مشروع دولة عدوة، بدلاً من أن تخدم رسالة الدين ومصالح المؤمنين.
مشاريع النفوذ لا تحتاج دائماً إلى تحويل المال إلى سلاح. يكفيها أن تبني مزاجاً، وتخلق تعاطفاً، وتصنع شبكة اجتماعية خليجية تشعر بأن ارتباطها بالنظام الإيراني أقوى من ارتباطها بالمجتمع الوطني.
ومن هنا يصبح المال الديني غير الشفاف خطراً حتى على الشيعة أنفسهم، لأنه يأتي في صورة نشاط اجتماعي أو ديني أو خيري يصعب الاعتراض عليه. فإذا سألت عن الشفافية قيل لك إنك تعادي الدين، وإذا سألت عن الوجهة قيل لك إنك تستهدف المرجعية والعلماء، وإذا سألت عن الرقابة قيل لك إنك تضيق على المؤمنين. وهكذا تتحوّل الأسئلة الطبيعية إلى اتهامات طائفية جاهزة.
المطلوب ليس مصادرة الخُمس، ولا تحويل الدولة إلى خصم للمذهب. المطلوب تنظيم واضح: مؤسسات معلنة، وحسابات مصرفية بدلاً من النقد المجهول، وتقارير مالية دورية، ومنع التحويل إلى جهات خارجية غير مصرح بها، وفصل صريح بين العمل الديني والتمويل السياسي. مبدأ بسيط يكفي: أي مال يجمع داخل دولة، ويتحوّل إلى نشاط مؤسسي أو تحويل دولي، يجب أن يخضع لقانون تلك الدولة.
ومن المفترض أن تصرف أموال الأخماس المجموعة في دول الخليج داخل الخليج نفسه. فهناك مجال واسع لعمل الخير ودعم المشاريع الدينية والاجتماعية داخل المجتمعات الخليجية. ولا يجوز شرعاً إرسال الأموال إلى مراجع موالين لنظام يهاجم الأمة الإسلامية بالمسيّرات والصواريخ.
لا قداسة للغموض، ولا حصانة للنقد المجهول. والضمانة الوحيدة التي تحمي المؤمن من أن يفاجأ يوماً بأن إيمانه كان يمول ما لم يؤمن به، هي الشفافية. لا أقل ولا أكثر.
*مستشار برلماني