قد يُنظر إلى قمة بكين التي جمعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جين بينغ، الأربعاء الماضي، على أنها حدث اعتيادي بالنسبة لزعيمين التقيا أكثر من 40 مرة خلال 14 عاماً الماضية. إلا أن الظروف المحيطة بها بالغة الأهمية.
وقد جرى التخطيط لزيارة بوتين منذ فترة طويلة، لكنها جاءت مباشرةً عقب زيارة الرئيس دونالد ترامب الأسبوع الماضي. وفي ظل الاضطرابات التي يشهدها الشرق الأوسط، وما يعتبره الكثيرون تراجعاً في النفوذ الأميركي، سعى بوتين إلى تعزيز الشراكة الجيوسياسية والاقتصادية التي طورتها روسيا مع الصين لسنوات، والتي تعززت بشكل كبير بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022.ويبدو أن المحللين الروس غير متأكدين مما حققه ترامب خلال أيامه الثلاثة في بكين، لكنهم يرون أن إعلان «استقرار» العلاقات الأميركية الصينية لا يُشكل تهديداً لأجندة موسكو، التي تتضمن توقيع شراكة استراتيجية جديدة و«معززة» مع بكين، فضلاً عن إعلان بشأن تطوير عالم متعدد الأقطاب و«نمط جديد» من العلاقات الدولية. كما يؤكدون أن روسيا والصين متفقتان في غالبية قضايا السياسة الخارجية، وأن الاضطرابات في الشرق الأوسط دفعت الجانبين إلى التفكير في طرق استغلال نفوذهما المشترك لتعزيز المصالح المشتركة أيضاً.
ويقول ديمتري سوسلوف، الخبير في المدرسة العليا للاقتصاد في موسكو، إن قيمة روسيا ازدادت كشريك للصين، مع أنها ليست بصدد التخلي عن نهجها متعدد الأطراف، مضيفاً أن الصين تنظر إلى الولايات المتحدة كخصم استراتيجي. لكن من الواضح أن واشنطن وبكين لا ترغبان في تصعيد المواجهة في الوقت الراهن، وستواصل الصين تعزيزَ علاقاتها مع الولايات المتحدة. إلا أن سوسلوف شدد على أن الشراكة الصينية الروسية تشهد نمواً ملحوظاً.
وقد ضم الوفد الروسي الضخم خمسةَ نواب لرئيس الوزراء، وثمانية وزراء، ورؤساء البنك المركزي والشركات الحكومية الكبرى، إضافة إلى حكام الأقاليم. لكن الأنظار اتجهت بشكل أساسي نحو مشروع خط أنابيب «قوة سيبيريا 2» المتعثر منذ فترة طويلة، وهو خط أنابيب مقترح بطول 1615 ميلاً، من شأنه نقل ما يصل إلى 40 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً من شبه جزيرة يامال الروسية إلى قلب الصين الصناعي. وقبل مغادرته إلى الصين، أعرب بوتين عن أمله في أن يحرز المشروعُ تقدماً، لكنه شدد على ضرورة أن يتضمن أي اتفاق «تسعيراً قائماً على السوق»، في إشارة واضحة إلى الخلافات التي أبقت مشروع «قوة سيبيريا 2» مؤجلاً لسنوات عديدة. وحتى وقت قريب، فضلت الصين تنويعَ مصادرها وعدم الاعتماد على مورد واحد. ورغم عدم توفر التفاصيل، يقول محللون إن الصينيين يطالبون بتنازلات طويلة الأجل في الأسعار يرفضها الروس، ما أدى إلى تعثر المشروع.
ويقول فيودور لوكيانوف رئيس تحرير مجلة «روسيا في الشؤون العالمية»، المتخصصة في السياسة الخارجية ومقرها موسكو، إن الحصار الإيراني الأميركي لمضيق هرمز ربما غيّر حسابات الصين، إذ يمر نحو ثلثي التجارة البحرية الصينية، ومعظم وارداتها النفطية، عبر مضيق ملقا الضيق، الذي قد يكون تحت سيطرة البحرية الأميركية بسهولة. وأضاف أن الصينيين مفاوضون صبورون وينتظرون كثيراً حتى تُلبى شروطهم. وقد استمرت مفاوضات مشروع سيبيريا، حيث يشير كلا الجانبين إلى اقترابهما من التوصل إلى اتفاق، لكن من دون جدوى. وقد خلقت الأحداث في الخليج ظروفاً جديدةً، وقد يكون الصينيون مستعدين لإتمام المفاوضات.
وأوضح لوكيانوف أنه لاحظ تغيراً في الأجواء، حيث إن الصينيين يبدون الآن أكثر اهتماماً بتحسين العلاقات مع روسيا، لاسيما منذ عودة ترامب إلى السلطة، وتخليهم عن التوقعات أن بإمكانهم عقد صفقة شاملة مع الولايات المتحدة.
ويُعد مشروع خط الأنابيب مسألةً وجودية بالنسبة لروسيا، التي تحتاج إلى إيجاد أسواق بديلة لتسويق 150 مليار متر مكعب من الغاز كانت تُصدِّرها إلى أوروبا، قبل أن تُنهي الحربُ والعقوباتُ ذلك. وينقل خط أنابيب «قوة سيبيريا 1»، الذي افتُتح عام 2019، نحو 40 مليار متر مكعب من الغاز السيبيري إلى الصين. ويتوقع أن يتضاعف هذا الرقم أكثر من مرتين في حال تشغيل خط أنابيب «قوة سيبيريا 2»، الذي قد يبدأ تشغيله بحلول عام 2030.وقد تضاعف حجم التجارة بين روسيا والصين أكثر من مرتين خلال الأعوام الخمسة الماضية، ليصل إلى نحو 245 مليار دولار. وقد صرح مستشار الكرملين يوري أوشاكوف بأن معظم تلك التجارة يجري الآن بالعملتين المحليتين، الروبل واليوان، متجنباً الدولار الأميركي وما يحمله من تهديد بالعقوبات الثانوية. وكشف أوشاكوف عن أنه من المقرر أن يلتقي بوتين وشي ثلاث مرات أخرى خلال العام الجاري، في مناسبات دولية مختلفة.
ويقول يوري تافروفسكي، نائب رئيس جمعية الصداقة الروسية الصينية التي تعمل بشكل وثيق مع الحكومة الروسية، إن الحرب الأميركية في إيران خلقت تحدياتٍ قد تعزز العلاقات الروسية الصينية، مضيفاً أن الأزمة في إيران تؤثر على الصين وروسيا بشكل مباشر. لذا يحتاج القادةُ الروس والصينيون حالياً إلى مناقشة كيفية التعاون معاً لمنع حدوث تطورات مشابهة في مناطق أخرى تجمعهما فيها مصالح اقتصادية وأمنية وسياسية مشتركة.
وقد تُقدم الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين بعضَ المؤشرات حول وجهة العلاقات الروسية الصينية، بما يشمل مبادرات مشتركة بشأن الأزمات العالمية، كقضايا الطاقة والغذاء وتغير المناخ.


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

*كاتب كندي