قد يكون مصير البشر الزوال، لكن على الأقل عادت العلوم الإنسانية لتفرض وجودها، أوهكذا يقول لنا بعض خبراء التكنولوجيا. بعد عقود من تجاهل دراسات الفنون الحرة والإنسانية باعتبارها عديمة الجدوى، والإصرار على أن إتقان العلوم والهندسة والرياضيات والتكنولوجيا ضروري للنجاح في المستقبل، بدأ عالم التكنولوجيا يتبنى فكرة أن فهم الطبيعة البشرية قد يكون رصيداً قيماً في ثورة الذكاء الاصطناعي القادمة.
ويبدو أن وظائف التكنولوجيا قد تتضاءل بعد سنوات من إقبال الطلاب على علوم الحاسوب. فمن يحتاج إلى البرمجة في وقت يتولى فيه الذكاء الاصطناعي مهام البرمجة نيابة عنك. إلا أن ما يعجز عنه الذكاء الاصطناعي حتى الآن هو ما يميزنا كبشر، مثل التعاطف والعاطفة وعلم النفس والتفكير النقدي.
وكما قال هاملت واصفاً الإنسان المعقّد واللامتناهي: «يا له من تحفة فنية ذلك الإنسان!». ويقول درو ليشتنبرغ، الناقد الأدبي لمسرحيات شكسبير ومحاضر في جامعة جونز هوبكنز: «الذكاء الاصطناعي يقدم إجابات واضحة لأسئلة واضحة، لكنه لا يُسهم كثيراً في شرح التجربة الإنسانية كما يفعل الفن أو الفلسفة».
وأعرب عن اندهاشه من إقبال الطلاب في الفصل الدراسي الماضي على المسرحيات الصعبة والقراءات الفلسفية التي لا تقدم إجابات واضحة، مشيراً إلى أنهم كانوا مهتمين بأفكار الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط حول مفهوم «السامي»، وبأطروحات الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه عن القلق الوجودي، وبأفكار الفيلسوف والكاتب الفرنسي المولود في الجزائر ألبير كامو في «أسطورة سيزيف»، وختم بالقول إن العقل البارد للذكاء الاصطناعي قد يفهم، لكن الخيال الجامع الذي يصنعه الفن هو وحده القادر على الإدراك العميق للتجربة الإنسانية. وقالت دانييلا أمودي، إحدى مؤسسي شركة «أنثروبيك» المتخصّصة في الذكاء الاصطناعي إن الأمور التي تجعلنا بشراً ستصبح أكثر أهمية لا أقل، حيث تسعى الشركة لتوظيف موظفين يتمتعون بالتعاطف والفضول تجاه الآخرين.
وأوضحت أمودي، التي درست الأدب في جامعة كاليفورنيا في سانتا كروز، أن دراسة العلوم الإنسانية ستصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى، فالكثير من هذه النماذج بارع بالفعل في العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، لكن فكرة أن هناك أشياء تجعلنا بشراً على نحو فريد، مثل فهم أنفسنا، وفهم التاريخ، وفهم الدوافع التي تحركنا، ستظل دائماً بالغة الأهمية.
وحذّر عدد من كبار رجال الأعمال الأثرياء وقادة شركات التكنولوجيا والاستثمار، من بينهم جيمي ديمون الرئيس التنفيذي لبنك «جيه بي مورغان تشيس»، وجيني روميتي الرئيسة التنفيذية السابقة لشركة «آي بي إم»، وساتيا ناديلا الرئيس التنفيذي لشركة «مايكروسوفت»، ومايك نوفوغراتز المستثمر المعروف في مجموعة «فورترس» الاستثمارية، وجاك كلارك أحد مؤسسي شركة «أنثروبيك» من أن الحاجة المتزايدة إلى الذكاء العاطفي والقدرة على السرد والتواصل الإنساني في عالم يهيمن عليه الذكاء الاصطناعي. وقال ريد هاستينغز، أحد مؤسسي منصة «نتفليكس» المتخصّصة في بث الأفلام والمسلسلات، إننا تجاوزنا مرحلة سيطرة العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات على جامعة ستانفورد.
وأضاف أنه لو كان لديه طفل في الثالثة من عمره اليوم، لكان سيُضاعف جهوده في تعليمه المهارات العاطفية. أما مارك كوبان، المتفائل بالذكاء الاصطناعي والذي توقّع قبل عقد من الزمن أن يكون لخريجي الأدب الإنجليزي الأفضلية في المستقبل، فيرى أن الذكاء الاصطناعي سيحقق إنجازات مذهلة في مجال الأدوية والأجهزة وغيرها من الأمور بالغة الأهمية والروعة، لكن البشر سيظلون بشراً يتمتعون بالفضول كأعظم مهارة يمكن أن يمتلكها المرء في عالم الذكاء الاصطناعي. وبدأ البعض يدرك أنه يجب تجنب إرهاق الدماغ بمحتوى الذكاء الاصطناعي إذا أراد الحفاظ على لياقته الذهنية.
وقال كال نيوبورت، أستاذ علوم الحاسوب في جامعة جورجتاون: «الأشخاص الذين ما زالوا يقرأون الكتب الصعبة ويواصلون الكتابة قد بنوا هذه الدوائر العصبية في أدمغتهم، واعتادوا تحمل الإجهاد الذهني، وهم أصحاب القيمة الحقيقية إذا كان الآخرون قد أحرقوا أدمغتهم». بينما يرى روب رايش، أستاذ الأخلاقيات الاجتماعية للعلوم والتكنولوجيا في جامعة ستانفورد، أن طلاب علوم الحاسوب يشعرون بقلق بالغ حيال مستقبلهم، إذ إنها المرة الأولى التي تشهد فيها الجامعة انخفاضاً في عدد الملتحقين بتخصص علوم الحاسوب منذ 20 عاماً، وذلك خلال الأشهر الـ18 الماضية. وربما بدأ البشر يخشون أن يصبحوا أقل إنسانية، فقد اختلفت الأوضاع من زيارة الأحبة في أعياد ميلادهم إلى الرسائل، ثم المكالمات الهاتفية، فالرسائل النصية، وصولاً إلى الرموز التعبيرية.
وأعلنت مجلة نيويوركر قبل ثلاث سنوات «نهاية تخصّص اللغة الإنجليزية». ونشرت صحيفة واشنطن بوست الأسبوع الماضي تقريراً عن دراسة في تكساس أظهرت أن العلوم الإنسانية جاءت في ذيل قائمة برامج البكالوريوس الأكثر جدوى بعد التخرج.
وربما يشعر أصحاب النفوذ في عالم الحوسبة السحابية بالذنب بعدما اتضح أن الذكاء الاصطناعي سيستحوذ علينا. لذا فهم يأملون أن تساعدنا الحقيقة والجمال في توجيه الذكاء الاصطناعي نحو أفضل ما فيه. وهناك فرق شاسع بين المعرفة والمعلومات، ومن الخطأ القول إن المعرفة كلها يمكن اختزالها في مجرد معلومات، ويمكن الحصول على الإجابة بضغطة زر. لذا، فإن العقلية الإنسانية القائمة على الغموض والإبهام والصبر والجمال، هي عكس ما غرسته هذه التكنولوجيا.
*صحفية أميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»