لطالما مثّلت أسعار المنازل المنخفضة في فلوريدا فرصةً للارتقاء إلى الطبقة المتوسطة. لكن الطفرة السكانية ساهمت في رفع الأسعار بشكل كبير، بينما ظل متوسط دخل الأسر راكداً. ويبلغ متوسط عمر مشتري المنازل لأول مرة في فلوريدا اليوم 40 عاماً، بعد أن كان أقل من 30 عاماً قبل عقدين من الآن.

ويقول جوي فون نيسن، الباحث الاقتصادي في جامعة ساوث كارولينا في كولومبيا، إن القدرة على تحمل تكاليف السكن «تُمثل تحدياً رئيسياً لاقتصادنا حالياً، لا سيما في الجنوب». ورغم أن فلوريدا تعتبر حالةً معقّدةً في ظل تباطؤ الهجرة إليها وارتفاع أسعار التأمين وقوانينها الجديدة التي زادت من رسوم جمعيات ملاك المنازل وانخفاض متوسط أسعار المنازل مؤخراً، فإن السوق لا يزال باهظَ الثمن بالنسبة للعديد من المشترين المحتملين.

ويرى المحللون العقاريون أن المشترين حالياً في حالة رعب، فعلى الصعيد الوطني، ورغم استمرار ارتفاع الطلب، فقد تباطأت عمليات بدء بناء المساكن، وهو المصطلح الصناعي الذي يشير إلى انطلاق مشاريع البناء الجديدة، وهو اتجاه بدأ مباشرةً بعد الركود الكبير عام 2008. كما انخفضت تصاريح البناء السكني بأكثر من 20% بين عامي 2021 و2022، رغم عدم وجود ركود اقتصادي.

وفي ولاية كارولاينا الجنوبية، تراجعت نسبة بدايات البناء بعد عام 2008 من 5% إلى 3%، رغم زيادة عدد سكان الولاية بنحو 650 ألف نسمة بين عامي 2010 و2020. وعلى شواطئ مدينة جاكسونفيل، شمال شرق فلوريدا، لا يزال الأزواج الشباب يشترون منازل جيدة. لكن وكلاء العقارات يقولون إن كثيراً منهم يعتمدون على آباء أثرياء يدفعون مقدمات الشراء، ما يجعلهم أقل قلقاً بشأن الأسعار المرتفعة أو انعدام الاستقرار الوظيفي. وقد تضاعف الدخل المؤهّل لشراء منزل جديد منذ عام 2019، ويتجاوز الآن 100 ألف دولار سنوياً، وفقاً لشركة استثمار عقاري مقرها دالاس. وينطبق ذلك أيضاً في مدينة غينزفيل بمقاطعة هول في ولاية جورجيا، حيث توجد مئات المنازل المعروضة للبيع، لكنها مرتفعة السعر ولا توجد منازل بأسعار ميسورة للمشترين الجُدد.

ويعزو الخبراء هذا التباين جزئياً إلى فشل السوق، ولكنه أيضاً نتيجة قصور في الرؤى والسياسات الأميركية. ويقول جيف براندز، مدير مشروع سياسات فلوريدا في سانت بطرسبرغ: «لا يمكن التخلي عن المنازل ذات الأسعار المعقولة وتوقّع وجود قوة عاملة قادرة على المنافسة في السوق العالمية. فالناس بحاجة إلى مسكن لتكوين أسرة».

وأضاف أن الشركات تميل إلى تجاهل شريحة المستهلكين الأقل دخلا، وما يحدث الآن هو مثال على عواقب هذا الإغفال، ففي النهاية يشهد السوق انكماشاً. ومع تباطؤ الهجرة إلى فلوريدا، أصبحت كارولاينا الجنوبية أسرع الولايات نمواً في البلاد. لكنها تعاني هي أيضاً من مشاكل في الإسكان. فمن بين 47 مقاطعةً في الولاية، ساهمت 12 مقاطعة فقط، تقع معظمها على طول الساحل، في هذا النمو. وعلى الصعيد الوطني، ضغط البيت الأبيض على مجلس الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة، بل وطرح فكرة الرهون العقارية لمدة 50 عاماً.

وتعمل ولاياتٌ مثل كاليفورنيا وماساتشوستس على زيادة الكثافة السكانية في المدن، الأمر الذي يثير احتجاجات شديدة من الأحياء التي تخشى انخفاض قيمة العقارات. لكن هناك مؤشراتٌ على تحوّل السوق نحو المنازل الأصغر حجماً، أي التي تناسِب المشترين لأول مرة، إذ انخفض عددُ الأسر التي لديها أطفالٌ دون سن الـ18 منذ عام 1980. وبلغت مساحة البناء الجديدة ذروتَها في عام 2016 عند 2700 قدم مربعة، ثم انخفضت الآن إلى 2400 قدم مربعة. ومع ذلك، لا تزال هذه المساحة أكبر من متوسط مساحة المنزل الصغير المناسب لأول شراء، والبالغة 1800 قدم مربعة.

وحتى الآن، جاءت معظم الإصلاحات على المستوى المحلي، حيث شرعت مدينة تشارلستون بولاية كارولاينا الجنوبية في مشروع لبناء 3500 منزل بأسعار معقولة خلال العقد القادم. وفي تامبا بولاية فلوريدا، يسمح قانون محلِّي للكنائس غير الربحية بتطوير الأراضي. كما خففت مدينة أتلانتا القواعدَ المتعلقة بـ«الوحدات السكنية الملحقة» للتخفيف من أزمة السكن.

ورغم أهمية تلك الجهود، لا يزال جزء من مشكلة السكن ينبع من عوامل وطنية، مثل تأثير الرسوم الجمركية ونقص العمالة على تكاليف البناء. ويشير خبراء العقارات إلى أن توقعات مشتري المنازل غير الواقعية تُمثّل جزءاً من المشكلة، فامتلاك منزل يعني قبولَ قَدْر من المخاطرة والانخراط في مجتمع والعمل على تحسينه، مثل حي موراي هيل، أحد أقدم أحياء جاكسونفيل، والذي يشهد تحسناً تدريجياً، ويضم مطاعم عصرية، وجلسات موسيقى الجاز، وحتى متجراً لبيع منتجات مربي النحل. ويبلغ متوسط أسعار المنازل فيه حوالي 240 ألف دولار.

إلا أن العديد من المنازل قديمة وتحتاج إلى ترميم، كما أن معدلات الجرائم البسيطة في المنطقة تُثير قلقَ البعض. ومن العوامل التي تُبقي الأسعارَ منخفضةً شكاوى السكان المحليين من روائح كريهة تنبعث من مصنع عطور قريب، إضافة إلى أن القضايا العرقية والاجتماعية والاقتصادية تلعب دوراً أيضاً، فكثير من السكان لا يرغبون في السكن بجوار الفقراء.

*صحفي أميركي.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»