تتجلّى المعاناة الاقتصادية للإيرانيين، بعد أسابيع من الهجمات الأميركية والإسرائيلية، في ارتفاع الأسعار بشكل جنوني، وفقدان الوظائف، وانقطاع الإنترنت الذي يُفاقم حالةَ عدم اليقين بشأن ما سيحدث في المستقبل. ويرى الكثير من الإيرانيين أن التهديدات باستئناف الحرب تسبّبت في زيادة التوتر داخل البلاد، فيما دفعت الأزمةُ الاقتصادية المتفاقمة كثيراً من الأُسر إلى العمل في أكثر من وظيفة لتأمين الاحتياجات الأساسية، وسط شعور واسع بأن الحرب زادت الأعباءَ المعيشية والمعاناة اليومية.

وكان الرئيس دونالد ترامب قد أعلن منذ أيام أنه أرجأ «هجوماً هائلاً» كان مقرراً على إيران، ومِن شأنه إنهاء وقف إطلاق النار المُبرم في أبريل الماضي، بعد مناشدات من قادة الخليج لمنح الدبلوماسية مزيداً من الوقت لفتح مضيق هرمز والتفاوض على وضع قيود على البرنامج النووي الإيراني. ونفّذت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على آلاف الأهداف في إيران، ومنذ ذلك الحين، يكافح الإيرانيون للتأقلم مع التداعيات الاقتصادية للحرب. وبينما يشعر الأميركيون بعبء الحرب على إيران في ارتفاع أسعار الوقود، مع ارتفاع أسعار الوقود والنقل والأسمدة والغذاء عالمياً كذلك، يجد الإيرانيون أنفسَهم عالقين بين تحديات اقتصادية جسيمة ونظام حاكم أصبح الآن أكثر تصميماً على مغامراته الخارجية، وعلى مواجهة السخط الشعبي الداخلي.

وحتى قبل الحرب، كان الاقتصادُ الإيراني مُنهاراً نتيجة سنوات من العقوبات، لاسيما بعد حملة «الضغط الأقصى» التي شنّها ترامب ضد إيران خلال ولايته الأولى، وسوء إدارة الوضع. إلا أن دعوات البيت الأبيض للإيرانيين للانتفاض وإسقاط «الجمهورية الإسلامية»، عقب أسابيع من الهجوم العسكري الأميركي الإسرائيلي، تبدو منفصلةً عن الواقع على الأرض في إيران. فقد اندلعت احتجاجاتٌ شعبيةٌ واسعةُ النطاق ضد النظام، في يناير الماضي، بسبب المظالم والضغوط الاقتصادية. لكن قوات الأمن الإيرانية قمعتها بعنف، مما أسفر عن مقتل أكثر من 7000 إيراني، وربما أكثر. ويرى إسفنديار باتمانغليج، الرئيس التنفيذي لمؤسسة «بورصة وبازار»، وهي مركز أبحاث اقتصادية مقرّه لندن، أن الاقتصاد الإيراني لن يتمكن قطعاً من الحفاظ على أدائه الأخير في أعقاب هذه الحرب، مضيفاً أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الصناعية الرئيسية، مثل مصانع البتروكيماويات والصلب، ستترك أثراً اقتصادياً مباشراً، بينما سيؤدي استمرار انقطاع الإنترنت إلى أضرار هائلة.لكن انكماش الاقتصاد لا يعني عجز إيران عن خوض جولة أخرى من القتال ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث يضيف باتمانغليج أن الاقتصاد الإيراني قد يصبح أصغر بكثير في العام المقبل، لكن ذلك قد يكون كافياً لتزويد قادة إيران بالوسائل التي يحتاجونها لمواصلة تهديد الملاحة في مضيق هرمز، أو لنقل المعركة إلى الداخل الأميركي، إذا قرر ترامب استئناف الحرب. ويستشهد باتمانغليج بأوكرانيا، التي لا تزال تخوض الحرب في مواجهة الحملة العسكرية الروسية منذ عام 2022، رغم انكماش اقتصادها بنحو 30%. ومع احتمال استئناف الحملة العسكرية الأميركية الإسرائيلية، يواجه الإيرانيون صعوباتٍ متزايدةً في التكيف.

فقد ارتفعت أسعار الأرز المحلِّي بنسبة 174%، والزيوت الغذائية بنسبة 375%. كما كشفت بيانات رسمية أن 12% من 41 ألف متجر خضعت للتفتيش في مارس، اتضح أن أصحابها تورّطوا في قضايا تتعلق بالاحتكار أو رفع الأسعار بصورة غير قانونية.وفي مؤشر إضافي على الأزمة، قدّرت وزارةُ العمل الإيرانية أن خسائر الوظائف المرتبطة بالحرب تجاوزت مليوني وظيفة، بينما يرى مسؤولون نقابيون أن العدد الحقيقي للعاطلين عن العمل قد يتراوح بين ثلاثة وأربعة ملايين شخص، دون توافر برامج حماية للمسرّحين والعاطلين الجدد.

وبالطبع يستشعر المواطنون الإيرانيون أن الأوضاع تزداد سوءاً كل يوم، حيث يؤكدون أن أسعار السلع تضاعفت منذ اندلاع الحرب ثلاث مرات أحياناً، مما اضطرهم إلى حذف الكثير من الاحتياجات الأساسية من مشترياتهم. وبينما فقدَ الكثيرون وظائفَهم، لم يَعُد آخرون يحتملون العيش في خوف وعدم يقين دائمَين، ويرون أنه سواء انهار النظام أم لا، ستستمر معاناتهم مع استمرار الحرب، وستكون كارثة لا محالة، أما في حالة بقاء النظام، فسيكون القمع غير مسبوق في ظل الديكتاتورية العسكرية - الدينية. *كاتب متخصص في شؤون الشرق الأوسط .

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»