منذ نشأتها، لطالما اعتبرت النرويج نفسها قوة إنسانية عظمى. وقد ابتكر فريدتجوف نانسن، أحد أبرز مؤسسيها، «جواز سفر نانسن»، الذي منح اللاجئين عديمي الجنسية حق دخول أكثر من 50 دولة بعد الحرب العالمية الأولى، ويُنسب إليه الفضل في مساعدة 300 ألف أرمني من النازحين. وفي العصر الحديث، كانت النرويج في قلب اتفاقيات أوسلو التاريخية في الشرق الأوسط. وفي العام الماضي، كانت النرويج الدولة الوحيدة في العالم التي أنفقت ما لا يقل عن 1% من دخلها القومي الإجمالي على المساعدات الإنسانية.

ورغم جميع تلك الطموحات، لطالما احتاجت النرويج إلى دعم خارجي. فبينما بنت البلاد سمعة عالمية كصديق رحيم ووسيط جدير بالثقة، كانت بحاجة إلى من يدعمها لتعزيز جهودها، وأحياناً للعب دور «الشرطي الحازم». ولعقود، كانت لعبت الولايات المتحدة هذا الدور الداعم. أما الآن، لم تعد النرويج واثقة مما يحمله المستقبل. وتعتبر تلك هي المعضلة التي تواجه جميع القوى المتوسطة في العالم، والتي تمتعت بنفوذ هائل في ظل النظام العالمي الذي أنشأته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، لكنها تشعر الآن بالضياع، رغم أن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يرى بأن تلك القوى المتوسطة «ليست عاجزة»، بل «لديها القدرة على بناء نظام جديد يشمل قيمنا». وفي هذا السياق، يمكن اعتبار هذه اللحظة فرصة سانحة للنرويج للتقدم في ظل تراجع الولايات المتحدة عن التزاماتها الإنسانية. إلا أن العام الماضي أظهر مدى صعوبة بناء نظام جديد دون قوة عظمى تتولى القيادة. وبينما تنتظر دول عديدة أن تعود الولايات المتحدة إلى دورها، ليس ذلك مؤكداً، وتُظهر النرويج التحديات المحتملة التي تنتظرها للتكيف مع الواقع الجديد.

وتقول نينا غرايغر، المديرة السابقة لمعهد أبحاث السلام في أوسلو: «يُعد التوسط في محادثات السلام والمساعدات الإنسانية من المجالات التي يمكن للقوى المتوسطة استخدامها للتأثير على الأجندة العالمية والحصول على مقعد على طاولة صنع القرار العالمي». لكن إذا لم تهتم القوى العظمى بتلك المجالات، فإن ذلك يخلف أثراً سلبياً. ولطالما كانت الميل إلى تقديم المساعدة جزءاً بارزاً من الهوية النرويجية. وبينما من غير الواضح سبب طلب السويدي ألفريد نوبل أن تتولى لجنة نرويجية منحه جائزة السلام، إلا أن النظريات تدور حول سمعة النرويج في صنع السلام، فحتى في تسعينيات القرن الـ 19 بعد الحرب العالمية الأولى، كان نانسن أيضاً شخصية بارزة في التخفيف من حدة المجاعة في روسيا السوفييتية وأوكرانيا (إضافة إلى كونه مستكشفاً قطبياً أسطورياً ومؤسساً لعلم المحيطات).

وترك ذلك أثراً عميقاً في الأمة الفتية، التي لم تنل استقلالها عن السويد إلا عام 1905. ولا يوجد شك في النفوذ الذي بنته النرويج في العمل الإنساني وصنع السلام، فهي حالياً وسيط سلام رئيسي في بلدان عدة، من بينهم الفلبين وكولومبيا وهايتي، حيث خصصت وزارة الخارجية النرويجية قسماً خاصاً للسلام والمصالحة. كما تحتل المرتبة العاشرة عالمياً في إجمالي الإنفاق على المساعدات التنموية، رغم أن عدد سكانها أقل بكثير من عدد سكان منطقة تورنتو الكبرى. ويرى يان إيغلاند الأمين العام للمجلس النرويجي للاجئين والرئيس السابق لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن النرويج لطالما امتلكت نفوذاً في الشؤون الدولية، يتجاوز المتوقع من دولة صغيرة الحجم، إذ يعود ذلك إلى قوتها الناعمة.

 

ومع تراجع الولايات المتحدة عن التزاماتها العالمية، يرى البعض أن النرويج في وضع مثالي للمساهمة في سد هذه الفجوة. لكن السؤال المطروح هو: ما الذي يمكن أن تحققه القوى المتوسطة دون دعم القوى الكبرى؟ فرغم أن دور النرويج في اتفاقيات أوسلو كان بارزاً، ولكنه كان مستحيلاً لولا الدعم الأميركي. ويقول إيغلاند، الذي شارك في المحادثات إن هناك قيوداً على النفوذ النرويجي المحدود.. إذ لا تستطيع النرويج إجبار إسرائيل على القيام بشيء لا ترغب فيه، بينما تستطيع الولايات المتحدة ذلك. علاوة على ذلك، لا ترغب النرويج في لعب دور «الشرطي السيئ»، ومن دون مساعدة الولايات المتحدة، لا تملك بدائل واضحة. صحيح أنها تقترب من الاتحاد الأوروبي، رغم أنها ليست عضواً فيه، لكن الاتحاد الأوروبي لا يملك النفوذ نفسه.

ويقول الدكتور نيومان من معهد فريدتجوف نانسن: «إذا أبدت الصين اهتماماً بصنع السلام، فمن الممكن أن تتعاون النرويج والصين». لكنَّ لمبادرات النرويج الخيرية العالمية بُعداً سياسياً يصعب تعويضه، حيث يقول بنيامين دي كارفاليو، أستاذ باحث في المعهد النرويجي للشؤون الدولية إن الكثير من جهود النرويج كانت تستهدف نيل رضا الولايات المتحدة، مثل تدخلها الأولي في هايتي الذي كان بطلب أميركي. من ناحية أخرى، تتزايد الضغوط الداخلية في النرويج أيضاً، إذ تشهد السياسة النرويجية التوجهات السياسية الشعبوية نفسها التي دفعت العديد من الدول إلى خفض المساعدات الإنسانية. لكن السؤال الأعمق حول كيفية التكيف مع النظام العالمي المتغير يبدو هو الأهم.

ومن المقرر أن تصدر الحكومة النرويجية ورقة بيضاء في الربيع المقبل توضح كيفية تعامل البلاد مع المساعدات الإنسانية في المستقبل. وبالنسبة للعديد من القوى المتوسطة، لا تزال الولايات المتحدة هي الخيار. ويشير إيغلاند إلى تسابق دول حلف شمال الأطلسي «الناتو» للامتثال لمطلب الرئيس دونالد ترامب بإنفاق 5% من ميزانيتها الفيدرالية على الدفاع، في حين يتم تقليص المساعدات الإنسانية بشكل كبير.

ويوضح أنه يتم استدراج معظم القوى المتوسطة إلى سباق التسلح، ثم لا تفي بالتزاماتها الأخلاقية بإنقاذ الأرواح، وبث الأمل في قارات أخرى. وهذا يُخلّف فجوة كبيرة. ويشير إيغلاند إلى أن الولايات المتحدة والناتو والنرويج، أنفقت مليارات الدولارات على العمليات العسكرية في أفغانستان، ومع ذلك سقطت البلاد في يد طالبان. لكن النرويج أنشأت أيضاً 133 مدرسة، لا يزال 131 منها يعمل، ونصف طلابها من الفتيات. ويؤكد إيغلاند أن النرويج تستطيع، بل يجب عليها، بذل المزيد من الجهود في مجال المساعدات الإنسانية وصنع السلام. لكنها لن تنجح دون مساعدة، لذلك: «أفضل طريقة هو أن تعمل القوى الكبرى والصغرى معاً كفرقة موسيقية واحدة».

*صحفي أميركي- رئيس تحرير سابق لصحيفة «كريستيان ساينس مونيتور».

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور».