هناك عدد من القصص الفرعية التي تتخلل الدراما التي اندلعت إثر نشر رئيس «اللجنة الوطنية الديمقراطية»، كين مارتن، لتقرير «تشريح» غير مكتمل لانتخابات عام 2024.
ويُحسد مارتن على المأزق الذي وجد نفسه فيه، فقد تعهد، عند انتخابه، بتقديم دراسة عميقة حول أسباب إخفاق الحزب «الديمقراطي» في انتخابات 2024 والدروس التي يمكن للحزب استخلاصها من الأخطاء التي ارتُكبت. وقد كلف بإجراء الدراسة، لكنه لم يتسلم مسودة إلا بعد أشهر بحلول نهاية عام 2025. ويعتبر التقرير الذي تسلمه بمثابة كارثة بكل المقاييس، فقد كان ناقصاً للغاية، وضعيف المصادر، ويبدو كمزيج غير مترابط من المعلومات والبيانات دون توجيه أو استنتاجات أو توصيات عملية.
ونظراً لأن «الديمقراطيين» كانوا قد حققوا بالفعل سلسلة انتصارات خلال عام 2025، وكانوا يستعدون لانتخابات التجديد النصفي الحاسمة للكونجرس في نوفمبر 2026، قرر مارتن عدم إكمال الدراسة أو نشرها. وكان القرار صائباً آنذاك، ولم يكن من المفيد إصدار أمر بإكمالها ونشرها في خضم انتخابات 2026، مما كان سيُشتت الانتباه عن المهمة الأساسية، وهي مساعدة «الديمقراطيين» على السيطرة على الكونجرس في نوفمبر المقبل.

ومع قرار عدم نشر التقرير، برز تياران فكريان متباينان. أحدهما أيديولوجي، مُتستراً وراء قناع المبادئ، حيث تساءل فريق هذا التيار «ما الذي تحاولون إخفاءه؟» بينما يدعون معرفة الإجابة مُسبقاً. أما الفريق الآخر فكان عملياً وقال: «ندرك بالفعل سبب خسارتنا، فقد تم تحليل الانتخابات مراراً. إننا نمضي نحو الفوز في الانتخابات، فلماذا نُضيع وقتنا في نبش الماضي؟»
أعترف أنني كنت من الفريق الثاني، فقد أجريتُ مقابلات صحفية مُتعمقة حول انتخابات عام 2024، وأجريت استطلاعات رأي ومقابلات، وكتبت باستفاضة عن أسباب خسارة «الديمقراطيين». ومثل كثيرون غيري، شعرت أن عملية تحليل شاملة، أو بالأحرى تحليلات، قد أُجريت بالفعل. واتضح أن على بايدن أن يتنحى مبكراً ليمنح «الديمقراطيين» وقتاً لإعادة تنظيم صفوفهم وربما إجراء انتخابات تمهيدية مصغرة، وكانت فئة المستشارين السياسيين الذين أداروا حملة هاريس منفصلة عن الناخبين، ومتحفظة، وتفتقر إلى الإبداع، وأكثر اهتماماً باستغلال الحملة لتحقيق مكاسب شخصية من خلال عقود إعلانية مربحة بدلاً من التواصل المباشر مع الناخبين.
وكان من النتائج الجانبية لهذه الإخفاقات عجز المستشارين عن إدراك حجم الإحباط الذي أصاب قطاعات واسعة من الناخبين، من الشباب والأقليات العرقية والتقدميين، وحتى العرب والمسلمين، بسبب ما اعتبروه تمكيناً من بايدن لإسرائيل من مواصلة حرب غزة.
وكشف ذلك أيضاً على مدى انفصال المستشارين عن الواقع، وعجزهم عن فهم ومعالجة مخاوف الطبقة العاملة وناخبي المناطق الريفية في ولايات مثل بنسلفانيا وأوهايو وميشيغان وويسكونسن. فبدلاً من التركيز عليهم، أهدرت الحملة أياماً وموارد في محاولة استمالة ليز تشيني، اعتقاداً بأنها ستحظى بدعم النساء المعتدلات «الجمهوريات» من سكان الضواحي، وكأن تشيني لديها تأثير على تلك الفئات.
وقد جرى جزء كبير من هذا التحليل مسبقاً، ولم تكن هناك حاجة إلى تقرير تشريح آخر. ومع ذلك، استمر الضغط على مارتن لنشر دراسته. ومع ازدياد المنتقدين، وجد مارتن نفسه أمام خيار صعب: إما أن يُدان أو لا يُدان، لذلك وافق على مضض على نشر المسودة اعتقاداً منه أنه يستطيع نشر تقرير غير مكتمل، مع بعض التحفظات، وأن ذلك سيُسكت المنتقدين. وقال إنه تسلم المسودة متأخراً للغاية وأنها لا تفي بمعاييره، وأن إنجازها سيستغرق وقتاً طويلاً. ولم يوافق على ما ورد فيها أو ما تم إغفاله.
وبما أن أشد المنتقدين كانوا من زملائه «الديمقراطيين»، فقد افترض مارتن أن النوايا الحسنة ستسود، إلا أن أشد المنتقدين لم يكونوا مهتمين حقاً بتحليل الموقف أو بتصحيح السياسات والتوجهات السياسية للانتخابات القادمة. وبالتأكيد لم يكونوا مهتمين بتعزيز موقف مؤيد للفلسطينيين داخل الحزب «الديمقراطي»، وإنما كل ما أرادوه هو منصب مارتن، ولذا استمرت انتقاداتهم، مصحوبة بمطالباتهم باستقالته.
وكان العديد من أبرز المنتقدين ممن عارضوا ترشحه منذ البداية، وكان البعض الآخر من «طبقة المستشارين»، أي العاملون الذين يكسبون أموالهم من إدارة الحملات الانتخابية، وقد انزعجوا من تحويل مارتن أموال الحزب «الديمقراطي» إلى الأحزاب المحلية كجزء من استراتيجيته لإعادة بناء الحزب من القاعدة إلى القمة. وحتى الآن، وفي سياق هذه الأحداث الفرعية التي أدت إلى هذا الإخفاق الذريع، استمر أعضاء «اللجنة الوطنية الديمقراطية» في دعم مارتن، مع إدراكهم أنه لم يكن مسؤولاً عن فشل انتخابات 2024. ورغم أنهم قد ينتقدون طريقة التعامل مع نشر نتائج «التشريح»، إلا أنهم يؤيدون نهجه في بناء الحزب.
رئيس المعهد العربي الأميركي- واشنطن